المجتمعان المدني والأهلي.. الأهداف وآليّة العمل

المجتمع المدني والأهلي بين الأهداف وآلية العمل
قراءة في الفرق بين المجتمع المدني والأهلي، ودور المتحدات الخيرية والأحزاب والديمقراطية والعلمانية في بناء الدولة المدنية...

المجتمع المدني والأهلي وإشكال تداخل المفاهيم

كثيراً ما تتداخل المفاهيم السياسية والفلسفية والثقافية والأخلاقية وغيرها مع بعضها بعضاً. وهذا التداخل يؤدي في أحيان كثيرة إلى خلق إشكال معرفي وسلوكي لدى المتلقي أو لدى من يتبنى هذه المفاهيم، كما حدث في ثورات ما سمي بالربيع العربي.

ومن بين هذه المفاهيم التي تداخلت مع بعضها يبرز مفهوما المجتمع المدني والأهلي. لذلك، يصبح من الضروري فك الارتباط أو التداخل بين المفهومين، من أجل الوصول إلى معرفة كل منهما، وفهم دوره وأهدافه وآلية عمله. وبذلك، يستطيع الإنسان التعامل مع كل مفهوم وفقاً للظرف التاريخي المعيش.

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني

هناك فرق واضح بين المجتمعين الأهلي والمدني. فالمجتمع الأهلي هو مجموعة من المتحدات التضامنية ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وغالباً ما يصب نشاطها، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مساعدة الأنظمة السياسية القائمة على تحقيق التنمية في الدولة والمجتمع.

ويتم ذلك من خلال تحالف وتضامن بعض المتطوعين من المواطنين ورجال الخير. وهؤلاء يضعون لعملهم أهدافاً تأخذ في الغالب وجهاً إنسانياً وخيرياً، إذ يتجلى نشاط هذه المتحدات في الاشتغال على قضايا مثل حقوق المرأة والطفولة، ورعاية المعوقين ذهنياً أو جسدياً، كالمكفوفين والعجزة وذوي الأمراض المستعصية، وغير ذلك من المجالات الاجتماعية.

تنظيم المتحدات الخيرية وآلية عملها

إن أهم ما يميز عمل هذه المتحدات الاجتماعية الخيرية هو حالة التنظيم في سريان عمل لجانها، وفي طريقة وصول أعضائها إلى تسلم المهام داخلها. فنحن نجد عملاً يقوم على خطط ممنهجة قابلة للتطوير والتجديد الدائم.

كما نجد خطاً ديمقراطياً واضحاً في سير عمل هذه المتحدات، سواء على مستوى وصول قياداتها عبر الترشح والانتخاب، أو على مستوى اتخاذ القرارات الحاسمة في شأن هذا المتحد أو ذاك. وبذلك، لا يقوم المجتمع الأهلي على العفوية وحدها، بل يحتاج إلى تنظيم وإدارة ومشاركة.

المجتمع المدني بين المدينة والمدنية

أما المجتمع المدني، فهو مشتق هنا من المدينة والمدنية. أي أنه مشتق، بتعبير آخر، من الوضعية التاريخية لتطور المجتمعات في قوى وعلاقات إنتاجها، وهي المرحلة التي يصل فيها المجتمع والدولة إلى وضع لم يعد فيه للمرجعيات التقليدية، مثل العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، ذلك الدور الكبير والفاعل في ضبط آلية حركة المجتمع.

وفي هذه المرحلة أيضاً، تصبح لمكونات بنية المجتمع والدولة دلالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. لذلك، لا يمكن فهم المجتمع المدني من زاوية واحدة فقط، بل يجب قراءته عبر هذه المستويات المتعددة التي تحدد طبيعة الدولة والمجتمع معاً.

دلالات المجتمع المدني على المستوى الاقتصادي

على المستوى الاقتصادي، تأتي دلالات المجتمع المدني في التوجه نحو اقتصاد قادر على تحقيق تنمية مستدامة للدولة والمجتمع معاً. وهذا يعني الانتقال من اقتصاد السوق العينية والصغيرة والريعية إلى سوق اقتصادية أكثر سعة وشمولية ومنهجية.

كما أن هذه السوق الأوسع يجب أن تكون قادرة على خلق دخل إضافي لميزانيات الدولة، بحيث ينعكس ذلك إيجاباً على حياة الفرد والمجتمع. ومن هنا، يرتبط المجتمع المدني بقدرة الدولة على تجاوز الاقتصاد الضيق نحو اقتصاد منتج ومنظم.

دلالاته على المستوى الاجتماعي

على المستوى الاجتماعي، تظهر دلالات المجتمع المدني في السعي إلى تحقيق دولة المواطنة والقانون والمؤسسات. فهو يتجه إلى تجاوز دولة العشيرة والقبيلة والطائفة والفرقة الناجية، لأنها مرجعيات تقليدية تحدّ من بناء المواطنة الجامعة.

ولذلك، فإن المجتمع المدني لا ينفي وجود المجتمع وتنوعه، لكنه يسعى إلى وضع العلاقات الاجتماعية داخل إطار قانوني ومؤسساتي. وبهذا المعنى، يصبح المواطن هو أساس الانتماء، لا الانتماء القبلي أو الطائفي أو المذهبي وحده.

دلالاته على المستوى السياسي

أما على المستوى السياسي، فتأتي دلالات المجتمع المدني من خلال الدعوة إلى التعددية السياسية، وتداول السلطة، والمشاركة فيها. كما يقوم هذا المفهوم على اعتبار الشعب مصدر السلطات.

ومن هنا، لا يكتمل المجتمع المدني من دون حضور السياسة بوصفها مجالاً عاماً للمشاركة، لا مجرد أداة للسيطرة. كما لا يكتمل من دون أحزاب وتنظيمات سياسية تسعى إلى الوصول إلى السلطة والمشاركة فيها وتداولها وفق قواعد مدنية.

دلالاته على المستوى الثقافي

على المستوى الثقافي، تكمن دلالات المجتمع المدني في محاربة الفكر الرجعي المثالي والامتثالي والاستسلامي والوثوقي. كما يؤكد هذا المجتمع دور العقل النقدي، وحرية الإنسان، وكونه خليفة الله المكلّف بصنع حياته وحياة الأجيال القادمة.

ويدخل في هذا الاتجاه تنمية عقل الفرد والمجتمع على ضرورة التعامل مع خصوصيات الحاضر، من دون نكران الماضي أو المستقبل. فالماضي يظل يحمل في مضمونه جوانب عقلانية، ولولا هذه الجوانب لما استمر التاريخ أصلاً. ومن هنا، تأتي عملية الربط بين الأصالة والمعاصرة.

من المجتمع الأهلي إلى المجتمع المدني

إن أهم مرتكزات المجتمع المدني هنا أن المتحدات الاجتماعية التي وجدت في المجتمع الأهلي تظل قائمة. ولكن المجتمع المدني يضيف إليها متحدات جديدة ذات طابع سياسي، أي الأحزاب، التي يكون هدفها الوصول إلى السلطة من أجل المشاركة فيها، ثم تداولها.

وبتعبير آخر، يتحول المجتمع الأهلي إلى مجتمع مدني عندما تدخل المتحدات السياسية، أي الأحزاب، في بنية متحدات المجتمع الأهلي. ومن خلال هذا التحول، ينتقل العمل الاجتماعي من المجال الخيري والتضامني فقط إلى مجال أوسع، يشمل السياسة والمشاركة العامة وبناء الدولة.

المجتمع المدني والدولة المدنية

إن المجتمع المدني يعني في المحصلة الدولة المدنية التي تأسست فيها قواعد بناء المجتمع والدولة الحديثين. ومن أهم ما تأسس في هذا الاتجاه العلمانية والديمقراطية، لأن الديمقراطية تحقق المشاركة، ومن خلال المشاركة يجري تداول السلطات.

وعبر الديمقراطية أيضاً يتساوى الناس في الحقوق والواجبات، كما يفرض المجتمع احترام المرأة، واحترام الرأي والرأي الآخر. ولذلك، لا يمكن فصل المجتمع المدني عن الديمقراطية، لأنها الآلية التي تنظّم المشاركة وتمنحها معناها السياسي والاجتماعي.

العلمانية بوصفها الوجه الآخر للديمقراطية

أما العلمانية، وهي الوجه الآخر للديمقراطية، ففيها يسود العقل والمنطق في تطبيق سياسة الدولة الداخلية والخارجية، بما يخدم مصلحة الدولة وهيبتها، ويحمي المجتمع ووحدته، ويجذر فكرة المواطنة فيه.

كما تعمل العلمانية على ضبط الديمقراطية ذاتها، حتى لا تتحول إلى أداة لتفجير المرجعيات التقليدية واستخدامها في صراعات داخلية من أجل الوصول إلى السلطة والحصول على الغنيمة. فالديمقراطية من دون ضوابط مدنية قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج العصبيات القديمة داخل الدولة الحديثة.

حدود المصلحة بين الفرد والمجتمع والدولة

ترسم العلمانية هنا الحدود بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد، وبين مصلحة الدولة المؤسساتية أو دولة المواطنة من جهة، ودولة العشيرة والقبيلة والطائفة من جهة ثانية. ومن خلال هذه الحدود، يستطيع المجتمع أن يمنع اختلاط المجال العام بمصالح الجماعات التقليدية الضيقة.

وبذلك، يصبح المجتمع المدني إطاراً لبناء دولة حديثة، تقوم على القانون والمؤسسات والمواطنة، لا على الولاءات الأولية أو العصبيات المغلقة. ولهذا يمكن القول إن المجتمع المدني في المحصلة هو الدولة المدنية.

كاتب وباحث وناقد أدبي من سورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *