تمهيد
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تدخل العلاقة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة في مسارٍ دبلوماسيٍّ مستقر يمكن أن يُفضي إلى تسويةٍ سياسية دائمة، بل ظلّت محكومة بمنطق القطيعة والصراع البنيوي، حيث جرى توظيف التفاوض – حين وقع – بوصفه أداةً لإدارة التوتر لا لمعالجة جذوره. وقد ارتبط هذا المسار، منذ بداياته، بإدراكٍ إيرانيٍّ مبكر لطبيعة السلوك الأمريكي القائم على المراوغة السياسية والسعي إلى فرض الهيمنة الشاملة، لا إلى احترام منطق الندية أو الالتزام المتبادل.
وفي هذا السياق، أكّد الإمام السيد علي الخامنئي، في أكثر من مناسبة منشورة على موقعه الرسمي، أن التفاوض مع الولايات المتحدة لا يُعد مسارًا عقلانيًا لحل المشكلات، لأن التجربة أثبتت أن الطرف الأمريكي لا يلتزم بتعهداته، ويستخدم التفاوض وسيلةً للإملاء والضغط. ففي خطاب له عام 2019، قال بوضوح: «التفاوض مع أمريكا ليس ذكيًا، ولا حكيمًا، ولا مشرّفًا، ولن يحلّ مشاكل البلاد»، مشيرًا إلى أن واشنطن «تنقض العهود بسهولة، ولا تلتزم بما توقّع عليه» (الموقع الرسمي للسيد الخامنئي، 7/2/2019).
وقد تكرّس هذا التوصيف مجددًا في أعقاب الاتفاق النووي لعام 2015، حين شدّد السيد الخامنئي على أن التجربة أثبتت أن الولايات المتحدة «لا تحترم الاتفاقات الدولية، حتى تلك التي وُقّعت بحضور قوى كبرى وضمانات متعددة»، معتبرًا أن انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات شكّل دليلًا عمليًا على أن المشكلة لا تكمن في مضمون الاتفاقات بقدر ما تكمن في منهج الهيمنة الأمريكية نفسه (الموقع الرسمي للسيد الخامنئي، تصريحات حول الاتفاق النووي، 2018).
انطلاقًا من هذا الفهم، لم تُقرأ محطات التفاوض غير المباشر – سواء في الملفات الإقليمية أو في المسار النووي – بوصفها خطواتٍ نحو تسوية شاملة، بل باعتبارها محاولاتٍ متبادلة لضبط الصراع ضمن سقوف معيّنة، في ظل انعدام الثقة بطرفٍ يرى في التفاوض أداة لإعادة إنتاج السيطرة. وقد عبّر السيد الخامنئي عن هذا المعنى بوضوح حين قال إن الولايات المتحدة «تتفاوض لكي تُخضع، لا لكي تتفاهم»، وإن هدفها النهائي يتمثل في «تفكيك عناصر القوة والاستقلال لدى الطرف المقابل» (الموقع الرسمي للسيد الخامنئي، خطاب حول السياسة الأمريكية، 2020).
واليوم، مع عودة الحديث عن جولة تفاوضية جديدة في ظل تصعيد سياسي وعسكري متزامن، تبدو المفاوضات المرتقبة امتدادًا طبيعيًا لهذا التاريخ المتراكم من الشدّ والجذب، فهي مفاوضات تجري على وقع تهديدات متبادلة، وضغوط إقليمية، ورسائل قوة محسوبة، ما يجعلها أقرب إلى اختبارٍ جديد لتوازن الردع منها إلى مسار تفاوضي يُفترض أن يُفضي إلى اتفاق نهائي.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر السؤال المطروح على إمكانية انعقاد المفاوضات أو فشلها، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعتها البنيوية وحدودها السياسية: هل يمكن لمسار تفاوضي أن يكون مثمرًا في ظل إصرار الطرف الأمريكي على إدارة الحوار بمنطق الهيمنة والمراوغة؟ أم أن هذه المفاوضات ليست سوى محطة إضافية في صراعٍ لم تُحسم معادلاته منذ أكثر من أربعة عقود؟
أولاً: مفاوضات على الحافة … حين تتحوّل التفاصيل إلى ميدان للصراع السياسي
لم تكن أزمة المفاوضات بين واشنطن وطهران في مطلع فبراير/شباط 2026 خلافاً حول مضمون التسوية بقدر ما كانت صراعاً حول الصيغة التي يُراد للتفاوض أن يجري في إطارها. فالسجال الذي تفجّر بشأن مكان التفاوض وطبيعته وآلياته لم يكن سوى تعبير أولي عن خلاف أعمق يتعلق بمن يمتلك سلطة ضبط جدول الأعمال، ومن يضع سقوف التفاوض وحدوده النهائية.
وفق الرواية الأمريكية، التي جرى تسويقها عبر تسريبات إعلامية منسوبة إلى مسؤولين في الإدارة، فإن واشنطن طرحت صيغة تفاوضية “متوافقاً عليها”، قبل أن تفاجأ برفض إيراني وُصف بأنه متأخر وغير مبرَّر، ما دفعها إلى تبنّي خطاب حاد مفاده أن الخيار ينحصر بين القبول بهذه الصيغة أو تعليق المسار التفاوضي برمّته. غير أن القراءة الإيرانية قدّمت رواية مغايرة تماماً، إذ اعتبرت أن الصيغة المقترحة ليست سوى محاولة مدروسة لتوسيع نطاق التفاوض خارج الإطار النووي، وتحويله إلى مسار استنزاف سياسي مفتوح يفرغ العملية الدبلوماسية من مضمونها الأصلي.
وعليه، لم يكن الخلاف تقنياً أو بروتوكولياً كما حاولت بعض الأطراف تصويره. فالمفاضلة بين إسطنبول ومسقط لم تكن مجرد اختيار جغرافي، بل حملت في طياتها دلالات سياسية مباشرة. إسطنبول تعني طاولة تفاوضية أوسع، وحضوراً إقليمياً متشابكاً، واحتمال إدخال ملفات متعددة تتجاوز المسألة النووية. أما مسقط، فتمثّل تقليداً راسخاً للوساطة الهادئة والحوار غير المباشر، وتوفّر بيئة تفاوضية أكثر انضباطاً تتيح حصر النقاش في الملف النووي ورفع العقوبات. من هذا المنظور، بدا الرفض الإيراني للصيغة المطروحة رفضاً لتغيير طبيعة التفاوض ذاتها، لا اعتراضاً شكلياً على مكان انعقاده.
ثانياً: الغموض الأمريكي وثوابت طهران… تصادم منطقَي الضغط والردع
في خلفية هذا الاشتباك الإجرائي، برز تباين جوهري بين المنطقين التفاوضيين للطرفين. فقد اعتمدت الولايات المتحدة بصورة واضحة استراتيجية الغموض المدروس، متجنبة الإعلان الصريح عن خطوط حمر محددة، ومُبقية على مساحة واسعة من “الخيارات” التي تتراوح بين المسار الدبلوماسي وأدوات الضغط العسكري. ولم يكن هذا الغموض سلوكاً عارضاً، بل شكّل أداة ضغط مقصودة تهدف إلى إبقاء إيران في حالة استنزاف سياسي دائم، ومنعها من بناء تصور مستقر لمآلات العملية التفاوضية.
في المقابل، جاءت المقاربة الإيرانية أكثر وضوحاً وحسماً في تحديد الثوابت. فقد أعلنت طهران من دون مواربة أن أي تفاوض يجب أن يظل محصوراً في الملف النووي مقابل رفع العقوبات، وأن إدراج ملفات الصواريخ الباليستية أو الشأن الداخلي الإيراني لا يُعد توسيعاً مشروعاً للأجندة، بل مساساً مباشراً بجوهر السيادة الوطنية وأدوات الردع الاستراتيجي، وهي عناصر لا تخضع من وجهة النظر الإيرانية لمنطق المقايضة.
ويعكس هذا التحديد الصارم قراءة إيرانية متراكمة لتجارب تفاوضية سابقة، حيث أدّى توسيع الأجندة إلى إفراغ الاتفاقات من مضمونها وتحويلها إلى أدوات ضغط طويلة الأمد تُستخدم لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يبرز العامل الإسرائيلي بوصفه متغيراً ضاغطاً لا يمكن فصله عن السلوك الأمريكي، إذ لا تُخفي تل أبيب سعيها إلى اتفاق “شامل” يعالج ما تعتبره التهديد الإيراني بكافة أبعاده، من التخصيب النووي إلى القدرات الصاروخية والدعم الإقليمي. وقد انعكس هذا الضغط بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الخطاب الأمريكي، ما جعل واشنطن تبدو عالقة بين رغبتها في إنجاز مسار دبلوماسي، وحاجتها السياسية لطمأنة حلفائها الإقليميين.
ثالثاً: خطاب متوتر وتصعيد مقصود… حين تتجاور الدبلوماسية واستعراض القوة
في ظل هذا التناقض البنيوي، اتخذ الخطاب الأمريكي منحى تصعيدياً لافتاً. فقد شدّدت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي على أن أي مفاوضات مقبلة يجب أن تكون “شاملة”، بحيث لا تقتصر على البرنامج النووي، بل تمتد إلى القدرات الصاروخية وما تصفه واشنطن بالسلوك الإقليمي لإيران، بل وحتى بعض الملفات الداخلية. ولم يأتِ هذا الطرح بمعزل عن التلويح الصريح بوجود “خيارات أخرى” في حال فشل المسار الدبلوماسي، في إشارة لا تخلو من وضوح إلى الخيار العسكري.
وزادت تصريحات الرئيس الأمريكي من حدّة هذا الخطاب، حين جرى الربط بين مسار المفاوضات والوضع الداخلي الإيراني مع إعلان دعم واشنطن للاحتجاجات وتحذير القيادة الإيرانية من عواقب الاستمرار في سياساتها. وقد شكّل إدخال العامل الداخلي في الخطاب التفاوضي نقطة توتر إضافية، إذ ترى طهران في هذا المسار محاولة لتقويض شرعية التفاوض ذاته وتحويله إلى تنازل يُفرض تحت ضغط سياسي وأمني مركّب.
وفي هذا السياق، لم يكن إسقاط المسيّرة الإيرانية قرب إحدى حاملات الطائرات الأمريكية حادثاً عسكرياً معزولاً. بل مثّل رسالة مزدوجة الاتجاه: واشنطن تؤكد جاهزيتها العسكرية وقدرتها على حماية قواتها ومصالحها، فيما تلوّح طهران بقدرتها على اختبار خطوط الاشتباك من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ورغم أن مثل هذه الحوادث تُدار عادة ضمن منطق “التصعيد المحسوب”، فإنها تظل محفوفة بمخاطر سوء التقدير، ولا سيما في لحظات تفاوضية شديدة الحساسية.
رابعاً: مسقط بين نافذة التهدئة واحتمالات الإخفاق
مع اقتراب موعد جولة محتملة في مسقط، لم يعد السؤال الجوهري محصوراً في ما إذا كانت المفاوضات ستُعقد أم لا، بل بات مرتبطاً بطبيعتها وحدودها السياسية. فنجاح هذا المسار يقتضي في المقام الأول توافقاً واضحاً على نطاق التفاوض: هل سيكون مساراً نووياً تقنياً محدوداً، أم إطاراً سياسياً واسعاً يعيد تعريف موقع إيران في الإقليم والنظام الدولي؟ كما يتطلب، في المقام الثاني بيئة وساطة قادرة على تحييد الضغوط الجانبية ومنع تحويل طاولة التفاوض إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، تبقى عوامل الإخفاق حاضرة بقوة. فالتناقض العميق بين منطق الردع الإيراني ومنطق الضغط الأمريكي، إلى جانب محاولات تسييل التفاوض عبر إدخال ملفات متعددة، يهدد بتحويل أي جولة قادمة إلى حلقة إضافية في سلسلة طويلة من المراوحة السياسية. وفي المقابل، فإن أي انفلات عسكري – حتى وإن كان محدوداً – قد ينسف المسار الدبلوماسي من أساسه ويدفع بالمنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.
في المحصلة، لا يجري الحديث عن مفاوضات نووية بالمعنى التقليدي، بل عن إدارة صراع مركّب تتداخل فيه السياسة بالقوة، والدبلوماسية بالردع. فالمنطقة تقف عند مفترق دقيق: إما تسوية محدودة تُدار بحذر وتُبقي الصراع تحت السيطرة، أو تصعيد متدرج قد ينفلت بفعل خطأ في الحسابات أو اعتبارات داخلية ضيقة. وبين هذين المسارين، تظل مسقط اختباراً حقيقياً لا لإرادة التفاوض فحسب، بل لقدرة الأطراف كافة على الفصل بين إدارة الخلاف ومنطق الهيمنة والمواجهة المفتوحة.


