الإمام الشهيد… حين يكتب الدمُ آخر فصول الرسالة

الإمام الشهيد حين يكتب الدم آخر فصول الرسالة
قراءة وجدانية وسياسية في استشهاد الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، ودلالات التشييع، ووحدة الساحات، وامتداد مدرسة كربلاء...

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام الشهيد ورسالة الدم

بادئ ذي بدء، نحمد الله تعالى، وإن جاء الأمر عظيماً وحلّ بتقديره الخطب الجلل. كما نتقدم إلى الأمة الإسلامية جمعاء بخالص العزاء في استشهاد الإمام الولي والقائد العلوي السيد علي الحسيني الخامنئي، رضوان الله تعالى عليه.

ونسأل الله تعالى أن يتغمد الشهداء جميعاً بالرحمة والغفران، وأن يجعل دماءهم الزاكية خير قربان في سبيله وإعلاء كلمته. فاستشهاد هذه القامة العلمية والرمز الديني والزعيم السياسي لا يختزل في حادثة اغتيال لقائد سياسي أو زعيم دولة، بل يحمل دلالات أعمق وأوسع.

جريمة بحق قائد أمة

يمكن قراءة استشهاد الإمام الشهيد من زاويتين أساسيتين. الزاوية الأولى أنه جريمة بحق قائد أمة، لا تقتصر قيادته على الحدود الجغرافية لدولته، بل تمتد إلى فضاء أوسع من الاتباع والاقتداء والاحترام.

فهو إمام يتبعه مقلدوه، وقائد يقتدي به المعجبون بنهجه الثوري، ورمز يحترمه أحرار العالم من أصحاب القيم الإنسانية. ولذلك، فإن استهدافه لا يعني استهداف شخص واحد فقط، بل يعني استهداف مدرسة فكرية وروحية وسياسية كاملة.

أمنية رجل رباني

أما الزاوية الثانية، فهي أن الشهادة كانت أمنية رجل رباني طالما دعا الله سبحانه أن يرزقه الشهادة في سبيله. لقد تمناها لكي يلتحق بقافلة شهداء الإسلام مع الصديقين والنبيين، وتمناها ليكون حياً يبصر من علٍ ثمار دمائه.

كما تمناها لكي يحرك في الأمة روح الحسين عليه السلام، فيسمع العالم بعد رحيله هتاف «هيهات منا الذلة». وقد تحققت هذه الأمنية في ميقات دقيق، بعد أن أكمل بناء الدولة، وأحكم خطط مواجهتها، ولم يبق من واجبه إلا أن يهب نفسه ليكتب بها آخر فصول البناء.

وهكذا، جاءت الشهادة خاتمة التمهيد، وبشير الفتح المبين. ومن هنا، لا تبدو الشهادة نهاية لمسيرة الإمام الشهيد، بل تبدو انتقالاً من موقع القيادة المباشرة إلى موقع الرمز الحاضر في الذاكرة والوجدان والنهج.

التشييع بوصفه آية سياسية وروحية

في تشييع آية الله آيةٌ أخرى. فما كان يخطط له العدو من جعل شهادته سبباً لانخراط عقد الدولة، تحوّل إلى عامل لتوحيد الأمة الإيرانية. فقد اعتصمت الجماهير في الساحات منذ لحظة شهادته إلى يوم تشييعه، واجتمعت بعشرات الملايين في وداعه.

وبذلك، وقع هذا الحضور الجماهيري استفتاءً للنظام، ومنحه جرعة كافية من الشرعية لعقود من الزمن. فالمشهد لم يكن وداعاً عابراً، بل كان إعلاناً جماهيرياً عن وحدة الموقف، وثبات المسار، واستمرار العهد.

شهادة مكتوبة بالدم

أما تشييعه في العتبات المقدسة ومزارات أئمة أهل البيت عليهم السلام، فهو آية أخرى في هذا المشهد. فقد نال الرجل شهادة مكتوبة بدمائه، وممهورة بفعل العدو المعتدي وألد خصوم مشروعه الإيماني والرسالي.

ومع ذلك، لم يكتف بهذه الشهادة، بل أصرّ على أن تُعمّد من مدرسة «فزت ورب الكعبة». وهي المدرسة التي أسسها جده أمير المؤمنين عليه السلام، وتناوب على إدارتها أولاده وذريته الطاهرة.

ومن هناك، حمل هذه الشهادة العلوية إلى مدرسة كربلاء للشهادة، ليعرضها على جده الحسين عليه السلام. وكأنه يقول له: يا سيدي، وفي مقام حضرتك المباركة، وفي فناء «الصادقين بما عاهدوا»، أقدّم إلى مقامكم الشريف هذه الشهادة.

سؤال الشهادة في حضرة الحسين

في هذا المشهد المعنوي، يبرز السؤال العميق: هل كانت هذه الشهادة جديرة بمبدأ «هيهات»؟ وهل ينال صاحبها شرف من استبشرتم بهم في قول الله تعالى: «ويستبشرون»؟ وهل ينتظر منكم رفعها إلى الله تعالى ليكون في نظم «أحياء عند ربهم يرزقون»؟

إن هذه الأسئلة لا تعبّر عن لحظة وجدانية فقط، بل تكشف عن اتصال رمزي بين الشهادة المعاصرة وشهادة الطف. كما تؤكد أن الدم، حين يرتبط بالحق، لا يبقى حدثاً عابراً، بل يتحول إلى رسالة عابرة للأجيال.

زيارة جمعت الشعبين ووحّدت الساحة

لقد كانت هذه الزيارة جامعة للشعبين، ومؤكدة لوحدة ساحة البلدين. كما أرست قواعد المقاومة، وحشدت المؤمنين في صف الجهاد في وجه الاستكبار، وحفظ عزة الإسلام وكرامة شعوب المنطقة.

ومن هنا، تصبح هذه اللحظة نقطة تحول يقرأها التاريخ بوصفها فاصلاً بين مرحلتين. فما بعد استشهاد الإمام الخامنئي ليس كما قبله، لأن الشهادة أعادت ترتيب الوعي، وجمعت الساحات، وأثبتت أن الدم الصادق يفتح في الأمة باباً جديداً من الثبات.

شهادة الطف في طهران

لقد تكررت شهادة الطف في طهران، لتؤكد حقيقة أن تكون مظلوماً فتنتصر، وأن تكون ذا فئة قليلة فتغلب. فالمعيار في هذه المدرسة لا يقوم على كثرة العدد ولا على وفرة السلاح، بل على صدق العهد وثبات الموقف ونقاء البصيرة.

ولهذا، حين يكتب الدم آخر فصول الرسالة، لا يكتب خاتمة الانتهاء، بل يكتب بداية الامتداد. فالإمام الشهيد لم يغادر ساحته، وإنما انتقل من قيادة الحضور إلى قيادة المعنى، ومن الفعل السياسي المباشر إلى الحضور الرمزي الذي يصنع الوعي ويحفظ الطريق.

سلام على خط الشهادة

السلام على علي أمير المؤمنين.السلام على الإمام الحسين.السلام على علي الخامنئي.السلام على شهداء الأمة، ممن مضوا على نهجهم القويم وطريقهم المستقيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *