مستقبل العراق في ظل التوازن الإقليمي الجديد بين الوساطة والمصالح الوطنية

مستقبل العراق في ظل التوازن الإقليمي الجديد بين الوساطة والمصالح الوطنية
تُبرز الرؤية أن تريّث السعودية في التطبيع نتاجُ تحوّلٍ إقليمي أحدثته غزة، ويمثل استراتيجية لخفض المخاطر وتعزيز الوساطة. ويتيح هذا التوازن فرصًا للعراق ليصبح نقطة التقاء إقليمي عبر سياسة تريّث ذكية وشروط تفاوضية صارمة....

(أحداث غزة وتريّث الرياض في السير نحو التطبيع و تحليل الأبعاد الأمنية والاقتصادية لتجميد التطبيع)

كشف تقرير نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي عن تفاصيل اجتماع جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض، وُصف بأنه “مهذب ولكنه صعب”. وعلى الرغم من تبادل المديح في العلن، ساد التوتر جزءاً من المحادثات المغلقة التي تركزت بشكل أساسي حول ملف التطبيع مع إسرائيل، حيث ضغط ترامب بشدة على الأمير محمد بن سلمان للانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام”. جاء رد ولي العهد السعودي مؤكداً أن المجتمع السعودي ليس جاهزاً حالياً للانضمام إلى الاتفاقيات، مشيراً إلى أن الرأي العام في المملكة يعارض التطبيع بشدة في أعقاب المجازر التي ارتكبت في غزة. واشترطت الرياض، مقابل المضي قدماً في التطبيع، أن توافق إسرائيل على مسار لا رجعة فيه لإقامة دولة فلسطينية مع تحديد موعد نهائي صارم لذلك، مؤكداً على موقفه الثابت في هذا الشأن. ورغم هذا التباين، تطرقت المناقشات إلى صفقات عسكرية واقتصادية ضخمة؛ إذ أعلن ترامب عن اعتزامه بيع مقاتلات F-35 الشبحية، وإمكانية إبرام صفقة نووية مدنية، بينما أعلن ولي العهد عن رفع المملكة لمستوى استثماراتها المخطط لها في الولايات المتحدة لتصل إلى ما يقرب من تريليون دولار.

أولاً: حذر الرياض:

هذا الموقف المتريث للرياض يجب أن يُقرأ على أنه إدارة حذرة للمصالح وليس بالضرورة “توتراً” مع واشنطن، إذ تعكس الشروط السعودية استراتيجية معقدة ومحكومة بالظروف الإقليمية والدولية. فتريث الرياض هو آلية سياسية ذكية تخدم استراتيجيتها الجديدة لتقليل المخاطر الأمنية وتجنب الصراعات، عبر تأمين جبهتها الشرقية بعد استئناف العلاقات مع إيران، وعبر ترسيخ دورها كوسيط إقليمي يسعى لـ “إنهاء الصراعات” في المنطقة. وبعيداً عن التبني المباشر، فإن قوة محور المقاومة تظهر في قدرتها على شحن الرأي العام، حيث يُعد رفض التطبيع دون ثمن باهظ لفلسطين إجراءً ضرورياً لتخفيف الإحراج أمام الشعوب العربية والإسلامية بعد مجازر غزة. هذا الإجراء هو تجميد سياسي ذكي للصفقة، يلبي الحاجة الداخلية والإقليمية للتريث.

ثانياً: الموقف الأمريكي ـ الاسرائيلي و دور المقاومة

يؤكد هذا الموقف السعودي على تحيّر المحور الأمريكي الإسرائيلي أمام الواقع الإقليمي الجديد الذي لا يستطيع تجاهل قوة محور المقاومة كعامل تغيير للرأي العام، حيث أحبط صمود المقاومة في غزة المخطط الذي كان يهدف إلى عزل القضية الفلسطينية عبر صفقات اقتصادية وعسكرية، مما أجبر أهم حليف إقليمي للولايات المتحدة على إعادة ربط التطبيع بالثمن الفلسطيني. وقد أدى فشل الضغط الأمريكي في دفع الرياض إلى التوقيع الفوري إلى إظهار أن واشنطن لم تعد تتحكم حصرياً في جدول الأعمال الإقليمي.

ثالثاً: السعودية تختار دور الوسط و التوازن الاقليمي

إن حالة التريث السعودي، والمصحوبة بتبنيها لدور الوسيط الإقليمي، تضع العلاقة بين العراق وإيران في سياق جديد من المنافسة والتعاون. فعلى الرغم من المنافسة بين الرياض وبغداد على دور الوسيط، فإن قرار السعودية بالتريث ووضع شروط صارمة للتطبيع يصب في مصلحة كل من إيران والعراق بشكل غير مباشر، حيث يزيل التهديد الاستراتيجي الذي كان سيشكله التطبيع المجاني، ويُقوّي الجبهة الرافضة للتطبيع دون ثمن. كما أن هذا التوازن الإقليمي يفتح للعراق مجموعة فريدة من الفرص الأمنية والاقتصادية، إذ يسمح له بالتحول من ساحة صراع إلى نقطة وصل آمنة، ويزيد من جاذبيته لمشاريع الربط الاقتصادي العملاقة مثل “طريق التنمية”، بالإضافة إلى جذب استثمارات خليجية ضخمة بالتوازي مع الحفاظ على عمقه الاستراتيجي والأمني مع إيران. يكمن التحدي الأكبر للعراق في كيفية الموازنة بين الاستفادة من المشاريع السعودية-الخليجية الضخمة والحفاظ على عمقه الاستراتيجي والأمني مع إيران.

و عليه، يظهر أن التريث السعودي لا يؤدي إلى توتر بين العراق وإيران، بل يفتح مجالاً لمنافسة سلمية على دور الوساطة الإقليمية ويتيح تعاوناً تكتيكياً ضد الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة. ويعتمد نجاح العراق على تبنيه لاستراتيجية “التريث الذكي”، واستخدام الشروط الصعبة والضغط الشعبي لتجميد المواقف السياسية المعقدة، وربح الوقت لتعزيز قوته الداخلية ودوره كـ “نقطة التقاء” للمصالح المتناقضة في الشرق الأوسط.

رابعاً:  استراتيجية العراق: الموازنة بين المصالح الوطنية واستغلال التوازن الإقليمي الجديد

تُقدم التجربة السعودية في إدارة ملف التطبيع والضغوط الأمريكية-الإسرائيلية نموذجاً مهماً للعراق، الذي يواجه تحديات مماثلة في الموازنة بين علاقاته الاستراتيجية المتنوعة وحاجته لتجنب الاستقطاب، والالتزام بمصالحه الوطنية العليا، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وضرورة التنمية الداخلية.

ومن وجهة نظر غربية يمكن للعراق أن يستلهم من الموقف السعودي لتبني استراتيجية تقوم على رفع سقف المطالب وتجميد الاستجابة لأي ضغوط خارجية تدفعه نحو الانضمام إلى مخططات “الاندماج الإقليمي” الجديدة (المخططات الصهيوأمريكية) التي تستثني أو تهمّش القضية الفلسطينية. فبدلاً من الرفض المطلق الذي قد يوتر العلاقة مع واشنطن، قد تتّجه بغداد بفعل الضغوط الدولية إلى ربط أي تعاون استراتيجي أو أمني عميق (خارج مكافحة الإرهاب) بضرورة إحراز تقدم حقيقي في القضية الفلسطينية. ونرى على غرار ما فعلت الرياض بطلبها “مساراً لا رجعة فيه لدولة فلسطينية”، يمكن للعراق أن يطالب بشروط جوهرية صعبة التحقيق حالياً (مثل ضمانات أمريكية لوقف دائم لإطلاق النار في غزة، أو الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير) لتكون عائقاً فعّالاً أمام المضي في أي صفقات تطبيع إقليمية. هذا يضمن التريث السياسي ويمنح العراق وقتاً لتنمية قوته الذاتية.

كما أن الاستفادة من موقع العراق كقناة اتصال بين القوى المتناحرة (إيران والسعودية والولايات المتحدة) تجعله لاعباً إقليمياً لا يمكن تهميشه، تماماً كما تسعى الرياض. يجب على العراق تعزيز دوره كـ “جسر إقليمي” يمنع تحوله إلى ساحة صراع. هذا الدور يتطلب الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران وعدم الانخراط في أي تحالفات إقليمية تعتبرها طهران تهديداً وجودياً، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على المصالح الحيوية مع الولايات المتحدة من وجهة نظر المحللين الغربيين لضمان الدعم الاقتصادي والأمني. علاوة على ذلك، يجب على الحكومة العراقية أن تستخدم الضغط الأخلاقي للرأي العام العراقي، كجزء من محور المقاومة شعبياً، بذكاء لخدمة مصالحها، حيث يمكن للموقف الشعبي العراقي الواضح والحاسم ضد التطبيع أن يكون الغطاء السياسي الذي تستند إليه الحكومة لرفض الضغوط الخارجية، مما يمنح بغداد قوة تفاوضية في مواجهة واشنطن، على أن توجه طاقته الوطنية نحو البناء الاقتصادي ومكافحة الفساد لزيادة قوته الذاتية.

إن حالة التريث السعودي والدور الإقليمي الجديد تخلق للعراق مجموعة فريدة من الفرص الأمنية والاقتصادية، بشرط أن يتحول من كونه “ساحة للصراع” إلى “نقطة التقاء” للمصالح المتناقضة:

1-  الفرص الأمنية والإقليمية: يسمح التوازن الجديد للعراق بتعزيز أمنه القومي عبر تحييد “صراع المحاور”، حيث يقلل تريث السعودية من حدة الاستقطاب الإقليمي، مما يقلل من احتمال تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة. ويمكن للعراق استغلال دوره كوسيط لـ تثبيت قواعد الاشتباك غير المباشرة على أراضيه، وبذلك يحقق نوعاً من الرعاية الأمنية المزدوجة التي تدعم سيادته عبر تنويع شراكاته الأمنية، بالإضافة إلى فتح الباب لتعاون استخباري وأمني أعمق في مكافحة الإرهاب بين جميع الأطراف.

2- الفرص الاقتصادية والاستثمارية: يُعدّ الجانب الاقتصادي هو المستفيد الأكبر من حالة التهدئة والتريث، حيث يتحول العراق إلى بوابة اقتصادية ضرورية للجميع. فحالة التهدئة تزيد من جاذبية العراق لـ مشاريع الربط الاقتصادي العملاقة مثل “طريق التنمية”، مما يحوله من دولة عابرة للطاقة إلى مركز لوجستي إقليمي. كما يفتح الدور السعودي الجديد الباب لـ استثمارات خليجية ضخمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة، ويمكن للعراق استخدام هذه المنافسة لجذب التمويل اللازم، كما يتيح له التريث المزيد من الوقت لتنويع مصادر الطاقة وتطوير حقول الغاز الخاصة به لتقليل الاعتماد على الاستيراد.

تكمن الاستفادة للعراق في تبني مبدأ الموازنة الدقيقة؛ فالمزج بين مصالحه الوطنية يقتضي عدم الانعزال، وتجنب التورط في أي خطط إقليمية تهدد استقراره، واستخدام “التريث الذكي” والشروط الصعبة والضغط الشعبي لتجميد المواقف السياسية المعقدة، وربح الوقت لتعزيز قوته الداخلية ودوره كوسيط إقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *