– عقدتا الذنب والاضطهاد عند الشيعة ، هل من امكانية لتجاوزهما ؟؟
– هل كان حال العراق سيكون افضل من دون الشيعة؟ أو من دون السنّة ؟؟
– ما الأخطاء التي ارتكبها الشيعة ؟ وهل انعكست اضطراباً في العراق الحديث ؟
تلك هي المحاور التي كانت موضع نقاش وتساؤلات وآراء عند بعض المثقفين الذين وصلتني منهم الملاحظات التالية :
السيدة الجواهري : هذه من المواضيع الحساسة ،خاصة بالنسبة للبسطاء من الشيعة ، ولكن أحسنت بطرحها لأننا بحاجة الى هكذا مواضيع للتنوير خاصة ان منطقتنا باتت تعجّ بالطائفيه والإقتتال والتهجير على أساس طائفي ، لكن لديّ بضعة اسئلة حول المذهب الشيعي .
أنا ممن لايسمع إلا لأصحاب العقول المنفتحة سواء كان شيخاً سنياً ام سيداً شيعياً ، لكني اضع علامة استفهام لما يُبنى على الخرافات والمبالغات والترّبح والتجارة واستغلال الجهل .
سؤالي وانا على ثقة بأنك ستجيبني : ان المذهب الشيعي قائم على الإمامة والإمامة هي كلّ من يأمّ المسلمين ، لكن المذهب الشيعي قائم على الأئمة الإثني عشر بانتظار ظهور المهدي (ع ) ليخلّص البشرية من الظلم ، الا انهم لم ينتظروا الظهور وحكموا بما هو ليس معصوماً ، اذاً ما الحجة التي يستند إليها المذهب بعد ان حكم إنسان لاعصمة له ؟؟
وسؤال اخر: لماذا عددالشيعة قليل بالنسبه لعامة المسلمين الذي يبلغ تعدادهم مليار ونصف؟ لا اقرّ بشئ اسمه مذهب سني لأنه ليس بمذهب وانما هي سنّة النبي (ص) أي سيرة ومنهاج وأخلاق وعبادات ،فأنا مسلمة ديننا دين رسول الله ، وهو ليس أمير أو خليفة دنيوي لكي يرثه أحد من اهله ، لأن الوحي نزل عليه فقط ، لكن تجار الدين استغلوا علي (ع) لمنافع شخصيه وتربحية وجعلوا منزلته بمنزلة الأنبياء ، يمكن ان يرث اهل بيت الرسول العلم والفقه والمعرفه ، لكنهم ليسوا معصومين ولا يعلمون الغيب ، ولو كانوا يعلمون الغيب لتنبهوا لقاتليهم ولأخذوا الحذر ، واذا كانوا يعلمون ولم يتجنبوه فهذا لايجوز لفارس شجاع يموت بهذه الطريقة . .
الشيعة نافسوا بيت الله وجعلوا مقام الأئمة بمنزلة الله لكي يستغلوا الجهلة والبسطاء بالخمس مثلاً ولم نر الفقير مترف ، وانما البعض من السادة مترفين ومنعمين ، حين اسمع من يسردون القصص والروايات عن الأئمة، اقول هل هناك عقول تصدق ما يقوله هولاء؟انهم يكذبون على الله ليجيروا الدين لمصالحهم النفعية ، وهل تحتاج الأضرحه الى الذهب والفضة في بنائها ؟ هل مقامات الأئمة أكثر من مقام الله الذي بُني بالحجارة ؟ أو قبر الرسول ببساطته مما يدل على زهده بالدنيا ومحبته للآخرة ، ولكي لا تكون سنن للمسلمين في بناء قبورهم لأنهم جاءوا من التراب وذهبوا اليه .
الإجابة :سيدتي الفاضلة – بداية أود الإشارة الى إن القضايا التي تتعلق بتساؤلاتك حول الشيعة ، كانت قد عولجت في مجموعة من المواضيع ،منها ( مفهوم الدولة في الاجتماع العراقي ) ( الأخطاء والخطايا في الشيعة الحاكمين ) الحركات الاسلامية الشيعية – من المعارضة الى السلطة ) وهي جزء من دراسة موسعة بعنوان ( هابيل يبعث حيا – عن التضاد والانسجام في السلوك العراقي ) .
لكن ساورد لك اختصاراً بعض النقاط :
بالنسبة لأعداد الشيعة ، الأصح منهجياً أن نقول انهم أقل عدداً من السنّة في العالم ، لكنهم ليسوا أقلية ،إذ تقدر أعدادهم بما يزيد عن 400 مليون نسمة ، وبالتالي فطائفة بهذه الحجم لايُطلق عليها (أقلية ) تماماً كالعرب السنّة في العراق والكرد – وهكذا .
منذ مصرع الإمام علي بيد الخوارج ، ُشنت على انصاره مختلف الحروب وألصقت بهم الكثير من التهم والتشوهات ،وذلك في إطار الصراع السياسي على السلطة ،فهم حسب معتقدهم ،يؤمنون ان الخلافة يجب ان تكون في علي وآله حسب وصية الرسول في خطبة الوداع ، فيما شاعت في عهد الأمويين والعباسيين مقولات من نوع ( من قويت شوكته وجبت طاعته – الناس على دين ملوكهم -لابد للأمة من حاكم ولو كان ظالماً – الخليفة لايخطىء وليس معرضا للحساب ، فكلمته من كلمة الله – الخ ) ولما كان الشيعة قد رفضوا مثل هذه المقولات حسب المعتقد أعلاه – لذا لقبوا بالرافضة .
جراء ذلك ،قاموا بسلسلة من الثورات امتدت طوال العهود الأموية والعباسية والعثمانية ، قمعت جميعها بقسوة ، كما حصل السلطان العثماني على فتوى تحلل قتلهم من احد رجال الدين (إبن تيمية ) ولما كان القرب من السلطة يجلب المنافع والأمان ، فيما محاربتها تجلب الضرر، ولما كانت السلطة بما تملك من مال ومغريات قادرة على تجييّر رجال دين وفقهاء وشعراء وكتاب ، يثلبون المعارضين لحمكهم ويضعون فيهم المساوىء كلها ، كما هو ديدن الحاكمين في كل زمن ومكان، لذا كان من الطبيعي ان تكون أعداد الشيعة أقلّ في الإسلام من بقية المذاهب ، وكلّ منها – بما فيهم الشيعة – يعتقد جازماً بأنه وحده من يسير على كلام الله وسنّة رسوله – طبقا لما نسب في حديث الفرقة الناجية على لسان النبي ( تنقسم أمتي إلى 72 فرقة ، واحدة منها هي الناجية )وهكذا فشواهد التاريخ ، تشير الى ان ولاء آل البيت لم يكن بهدف المنفعة والكسب ، بل كان تضحية هائلة بالنفس والولد والآمان حيث يتعرض الشيعي الى شتى الاخطار فيدفن حيّاً أو تبقر بطون الحوامل من نسائه أو يشردّ ويضطهد.
في الاستعمار الانكليزي للعراق : يقول عبد الرحمن النقيب للمس بيل : انتم امة عظيمة وقوية ومنتصرة – وأنا اخضع للمنتصر . في الوقت ذاته ، يخاطب محمد رضا الشبيبي المندوب الانكليزي الذي عرض عليه المشاركة في الحكم : اخرجوا من بلادنا أيها المحتلون وإلا ستعرفون عزة العرب وأنفتهم .
هذه بعض وقائع تاريخية مثبتة ، بصرف النظر عن رأينا فيها أو تحليلنا لأسبابها ودوافعها ومن أخطا فيها ومن أصاب ، لكنها توضح حدّاً أدنى من أسئلتك .
اما بالنسبة لعصمة الائمة ، فاعتقاد الشيعة انهم معصومون من المعصية والخطأ وليس من الموت أو يعلمون بالغيب . فالله وحده علام الغيوب والرسول بذاته لايعلم الغيب والا لتجنب الهزيمة في معركة أحُد مثلاً .
اما عن بناء المقامات لمنافسة بيت الله (مكة المكرمة ) فلننظر جيداً : في الهند، شيد أحد الأباطرة المسلمين هناك مسجد (تاج محل) تخليدا لذكرى زوجته ، وهو البناء الأفخم والأجمل من نوعه في العالم ، وأحد اهم معالم الهند الحضارية الذي يؤمّه ملايين الزوار سنوياً ،فهل قيل عنه إنه شيد لمنافسة مكة ؟؟ وفي بغداد هناك مرقدا الإمام أبو حنيفة النعمان والشيخ عبد القادر الكيلاني ،على ماعليهما من الفخامة والسعة – وإن لم يذّهبا- ومقام السيدة زينب في مصر – وغيرها الكثير في بلاد المسلمين ، علماً بان المذهب الوهابي هو الأكثر تشدداً في هذا الجانب ، عن بقية مذاهب اهل السنّة ، وكان ذلك لأسباب تتعلق ببدايات إنشاء مملكة آل سعود ، التي اعتمدت أساساً على دعاوى ذلك المذهب من اجل الإستيلاء على مقدسات الإسلام وجعلها حكراً عليهم ، ما يمكن الاستنتاج بأن القول بمنافسة مكة ، انطلق من دوافع محض سياسية .
.ًمنذ البداية ، كان الصراع في الاسلام سياسياً ولم يكن دينيا ، فظهرت المذاهب بعد أزمنة طويلة من الرسالة المحمدية ، كترجمة للصراع على السلطة ، وقد انبثقت اساساً من اجتهادات فقهية لعلماء دين اتبعت كل طائفة من المسلمين منهجا او مذهبا تفسيرياً رأته الأقرب ، وهذا أمر لم يقتصر على المسلمين وحدهم ، بل شهدته كذلك اليهودية والمسيحية في انقساماتها التي كانت بالنسبة للمسيحية أكثر دموية بين البروتستانت والكاثوليك تمثلت بحروب مروعة استمرت قرنين من الزمن ، اما بالنسبة للدعاوىبإسم الدين – فهي قد دخلت بكل مذهب ، ومن الخطأ الفادح التصور بان هناك مذاهب منزهة وأخرى منحرفة عن الدين ، فهذه تهمة ألصقها وعاظ السلاطين بكل من خالفهم ،حتى المتصوفة والمعتزلة واخوان الصفا والعرفانيين ، أي كل من عارض اعتبار الخليفة واجب الطاعة ،ومن ثم افتوا بتكفيرالمعارضين واستباحة دمائهم تحت دعوى إنهم يخالفون الآية ( واطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) لكن ولي الأمر ينبغي ان يتمتع بمواصفات تجعله جديراً بذلك ، منها التقوى وحسن الإسلام وصحة العقل والحكمة وسواها ، فتحمّل شؤون الأمة وادارة الناس ليس من الأمور الهينة ، لذا إرتاى الشيعة إن تلك الشروط ، إنما تتوافر بآل البيت لأسباب وحيثيات عديدة لاينكرها أكثر أهل السنّة ، لذا سيدتي : من الخطيئة والجهل الأكبر ، مهاجمة مذهب بعينه انطلاقاً من موروث ومحمول مشبع بالكراهية ، ولو استعرضنا تاريخ الإسلام منذ مابعد الخلفاء الراشدين، لوجدناه دموياً مرعباً الى درجة ان الأخ قتل أخاه ( الامين والمأمون مثلا) أما مؤمرات الامويين على بعضهم – فحدث ولاحرج ، فيما تظهر فظائع العثمانين والصفويين والمماليك وكل من حكم بإسم الدين .
فيما يخصّ النظرة الى الحكم انتظاراً لظهور المخلّص، فهناك مدر ستان في الشيعة : الأولى تنادي بولاية الفقيه الذي يعتبر بمثابة (نائباً) للامام الى حين ظهوره كما هو الحال في إيران ، والثانية ترى ان انتظار دولة العدل الإلهي ، لايلغي التعامل مع دولة الحقّ الأرضي ، وقد دفع العراقيون الشيعة أثماناً غالية نتيجة لابتعادهم عن الانخراط في مشروع الدولة منذ تاسيسها عام 1921 ، رغم انهم ساهموا في بنائها من خلال الثورة ضد البريطانيين (ثورة العشرين).
أما عن موضوع التحريف والتقول على الله ورسوله ،فالأمثلة واضحة أمامنا :هل من يدفع الشباب الى القيام بعمليات انتحارية وقتل الابرياء والاطفال ويصور لهم ان النبي سيتعشى معهم وحوريات العين بانتظارهم ، الا يكون هذا كذبا فاضحاً على الله ورسوله ؟ اليس هو الجريمة الكبرى والدجل الأكبر بحقّ الدين والله والرسول ؟ فهل من الصواب ان نتجاهل مايفعله هؤلاء الذين جعلوا من الاسلام الأكثر تشويها وإجراما بنظر العالم كله ، ونرّكز إدانتنا على مذهب لم يسبق ان حمل في دعاواه امراً بالقتل أو تكفير الآخرين ؟؟؟


