مع بداية العام الجديد، أطلقت الولايات المتحدة حرباً خاطفة على فنزويلا، البلد الذي يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وأحد الدول الخمس المؤسسة لمنظمة أوبك عام 1960 في بغداد.
حربٌ بدأت بعمليات جوية سريعة، انتهت خلال ساعاتها الأولى باختطاف الرئيس مادورو وزوجته، في مشهد يعكس طبيعة القوة الأميركية حين تقرر استخدام سطوتها العسكرية بلا مواربة.
وبالطبع، فإن هذه الحرب ليست الأولى في سجل واشنطن، ولن تكون الأخيرة، فقد شهد العالم خلال عام 2025 سلسلة من الحروب والنزاعات، كان لأمريكا حضور مباشر أو غير مباشر في كثير منها، فيما تبدو السنوات المقبلة مرشحة لمزيد من التوترات، في ظل اختلال موازين القوى الدولية.
المفارقة اللافتة أن ترامب طالما تباهى بإيقاف عدد من الحروب حول العالم، وذهب إلى حد المطالبة بجائزة نوبل للسلام!!، وفي الوقت ذاته، يبرر الحروب التي يشنها على هذا البلد أو ذاك بأنها دفاع عن الأمن القومي الأميركي، أو حماية للحريات في العالم، وكأن واشنطن مكلّفة بوصاية كونية!!، هذا الخطاب يتجاهل، عن عمد أو تواطؤ، المجازر المروعة التي ارتكبها بنيامين نتنياهو في غزة، بعلم ومباركة الإدارة الأميركية نفسها.
لسنا هنا في موقع الحزن على اختطاف رئيس فنزويلا، الذي لم يُعرف عنه انشغال جاد بأحوال شعبه بقدر تمسكه بالسلطة وفرض هيمنة مطلقة على مفاصل الدولة، الأمر الذي قاد إلى مجاعة ونقص حاد في الخدمات، رغم الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها بلاده، لكن جوهر النقاش ينصبّ على ما تمارسه إدارة ترامب من ضرب صارخ لمنظومة القوانين الدولية، والاقتراب من منطق “شريعة الغاب”، مستندة إلى امتلاكها أعظم ترسانة عسكرية في العالم، ما يمنحها شعور التفرد والعودة إلى نظام القطب الواحد، خاصة مع تراجع الدور الروسي وتوحل موسكو في مستنقع أوكرانيا.
إن ما حدث في فنزويلا لا يتوقف عند حدود كاراكاس، بل يحمل رسائل واضحة إلى الحكّام والشعوب على حد سواء، مفادها ان واشنطن قد تكون وحشاً مفترساً حين تتطلب مصالحها ذلك، وقد تتقمص في لحظة دور “الملاك” الحامي للجميع، وان هذه الازدواجية، بين الوحشية والملائكية، لا تحكمها القيم، بل بوصلة المصالح الأميركية وحدها، والحقيقة أن أمريكا لم تكن يوماً ملاكاً، بل ارتدت دائماً مسوح الملاك لإخفاء وجهها الحقيقي، إلى أن تنتفي الحاجة إلى التنكر!!
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّل الدور الأميركي في النظام الدولي محوراً دائماً للجدل، بين من يراه قوة لحفظ السلم، ومن يعده وقوداً لإشعال النزاعات، ففي عالم تتكاثر فيه الأزمات، يبقى الدور الأميركي حاسماً، لكن السلام الحقيقي لن يكون نتاج القوة، بل ثمرة احترام القانون الدولي وسيادة الدول، إن كانت واشنطن تريد فعلاً أن تُحسب ضمن صانعي السلام، لا ضمن صُنّاع الحروب.
والاهم من كل ماتقدم، هو اين نحن من كل ذلك، كيف لنا ان نتدبر امرنا وندير ملفات مصالحنا مع واشنطن، التي كان لها ومازال الدور الاكثر تأثيرا في المشهد العراقي؟!!!.


