في صمتٍ غريب يليق بالأمور العظيمة، وبينما كانت جمرات ثورة العشرين لا تزال تتوهج تحت رماد الخيبة، اجتمع رجال في بغداد يوم السادس من كانون الثاني ١٩٢١ لصنع المستحيل. لم يكن الاجتماع يحضره قادة عسكريون مخضرمون فحسب، بل كان يحضره شبح أمة بأكملها تبحث عن تجسيد لكرامتها المسلوبة. كان الحاضر الحقيقي هو ذلك الحلم الثقيل .جيش وطني لم يكن البريطانيون، الذين أنهكتهم الثورة وقرروا التحول من احتلال صريح إلى انتداب ملتبس، سعداء بفكرة جيش عراقي قوي؛ لقد تخيلوه حارساً للأبواب الخلفية لإمبراطوريتهم، لا حارساً لسيادة وطن. لكن رجالاً كانوا ينظرون إلى ما وراء الأفق. كانوا يرون سوراً للوطن. وهكذا بدأت الرحلة الأكثر تعقيداً في تاريخ العراق الحديث: بناء مؤسسة بقوة الحلم، وضعف الإمكانات، وإرادة لا تلين.
انبثقت أول أنفاس هذا المولود من رئة فوج “الإمام موسى الكاظم” في الكاظمية، وهو اسم لم يكن اعتباطياً، بل كان رسالة توحيد في بلد متنوع. جاء الجنود الأوائل من خليط عجيب ،من بقايا الجيش العثماني السابقين، ومن المحاربين القبليين الذين كانوا قبل أشهر يطلقون الرصاص على نفس القوة التي تمنحهم الآن الشرعية، ومن الشباب المتعطشين لشيء يؤمنون به. كانت المعدات شحيحة، والرواتب متواضعة، والشكوك البريطانية تحوم كالغيوم. ومع ذلك، كان هناك شيء ما يتشكل، شيء أقوى من الحديد والبارود .إنه شعور بالانتماء لمشروع أكبر. لم يمض وقت طويل حتى بدأ هذا الكيان يثبت وجوده، ليس فقط في مواجهة الاضطرابات، بل في خوض غمار السياسة العميقة، مسجلاً أول انقلاب عسكري عربي عام ١٩٣٦ في مفارقة مأساوية حول فيها الجيش سلاحه من حماية الدولة إلى تهديدها، مبتدئاً حلقة مفرغة من التدخل العسكري في الحكم ستلاحق العراق لعقود.
لكن روح هذا الجيش الحقيقية تجلت خارج حدوده. في سهول فلسطين عام ١٩٤٨، قاتل الجيش العراقي ليس كمرتزقة، بل كجيش يحمل هم أمة. لقد كانت تلك المعركة اختباراً حقيقياً لهويته المتشكلة: هل هو أداة نظام داخلي أم تجسيد للضمير القومي؟ وعلى الرغم من تعقيدات تلك الحرب ونتائجها غير الحاسمة، إلا أنها زرعت فيه بذرة فكرة الدور الإقليمي. ثم جاءت العقود اللاحقة لتحمله فوق أمواج من الصعود والهبوط الهائلة، من حروب ضروس في حزيران عام ١٩٦٧ وحرب تشرين ١٩٧٣ الظافرة الى حروب اخرى اكثر ضراوة مع الجيران إلى مواجهات مع العالم، حتى وصل إلى لحظة الانهيار المدوي في عام ٢٠٠٣، عندما حُلَّ بقرار من الحاكم الأميركي بول بريمر، وكأن قرناً من البناء والتضحيات محي بجرة قلم. لكن المأساة الأكبر كانت أن الذي حلّ هو الهيكل، أما الروح فلم تمت. فمن تحت أنقاض ذلك الحل العشوائي، ولد من جديد ليواجه أخطر اختبار وجودي عصابات داعش. وفي المعارك الضارية لاستعادة الموصل وتكريت والرمادي، كتب الجيش العراقي، بتضحيات أبنائه، فصلاً جديداً من الملحمة، مثبتاً أن فكرة “سور الوطن” التي تأسس عليها في عام ١٩٢١ هي أكثر من شعار، إنها قدر ومصير.
الجيش العراقي اليوم، بعد أكثر من قرن من تلك اللحظة الحاسمة في يناير كانون الثاني ١٩٢١ ، لا يزال يحمل في ذاكرته الجينية كل هذا التاريخ .حلم المؤسسين، ألم الانقلابات، وهج المعارك، مرارة الحل، وحلاوة النصر حينما يتوحد الوطن. إنه ليس مجرد مؤسسة عسكرية؛ إنه سيرة العراق نفسه، مكتوبة بدماء أبنائه على مدار مائة وخمسة اعوام وما يزال حتى اليوم، يقف شامخا رغم التحديات الأمنية الهائلة، ليكون أخيراً، ذلك السور الحصين الذي حلم به مؤسسوه في فجر ذلك اليوم البارد من عام ١٩٢١ . إنها رحلة لم تنته بعد، لأن تاريخ العراق نفسه لم ينته، وجيشه هو الرفيق الأبدي في هذه الرحلة، حاملاً أفراحها وأتراحها، منتظراً الفصل القادم من هذه الملحمة التي بدأت بحلم صغير في يوم شتاء بارد.
كل عام والجيش العراقي الباسل بألف خير


