عناوين كبيرة ومقدّسة جرى استغلالها بصورة ومؤذية، حتى فقدت عند البعض معناها الحقيقي، وأصبحت أدوات للابتزاز والتسقيط والتضليل.
المؤسف حقًا أننا حين نشارك منشورًا سياسيًا يحمل فكرة أو معلومة أو حتى صورة لإحدى الشخصيات السياسية، لا تمر دقائق حتى تمتلئ التعليقات بعبارات تُقحم اسم المرجعية في كل شيء:
المرجعية طردت فلانًا، المرجعية لا تستقبل علانًا، المرجعية ترفض، المرجعية تؤيد..!
وكأنهم ناطقين رسميين باسم المرجعية!
والسؤال الجوهري هنا:
من خوّلكم التحدث باسم المرجعية؟
وهل أنتم ملتزمون فعلًا بأوامرها وتوجيهاتها في صغير الأمور وكبيرها، أم أنكم تستحضرون اسمها فقط عندما يخدم مواقفكم؟
ما نعرفه، ويعرفه أغلب العراقيين، أن دور المرجعية في العراق أبويّ، إرشادي، ونصائحي، لا سلطوي ولا تدخلي. أما امتناعها عن استقبال السياسيين في الفترات الأخيرة، فهو موقف واضح سببه الاستغلال المفرط لاسمها ومحاولة توظيفه سياسيًا من قبل بعض الأطراف.
كما أن المرجعية، وبوضوح لا لبس فيه، تقف على مسافة واحدة من الجميع، رغم أن فكرها وانتماءها معروفان، ومواقفها الجوهرية غير خافية.
مثلاً
المرجعية تدعم المـ،،ــقاومة والمقـ،،ــاومين قلبًا وقالبًا، لكنها لا تتعامل بمنطق الشعارات أو التصريحات العلنية، لأن الواضحات لا تحتاج إلى شرح.
فعندما تنعى أحد قادة المقـ،،ــاومة وتبكيه، فذلك وحده كافٍ ليُفهم موقفها، ويُعرف خندقها، دون حاجة إلى بيانات سياسية صاخبة.
وينسحب الأمر ذاته على العملية السياسية.
فهل تحتاج المرجعية أن تخرج في بيان وتقول إنها مؤمنة بالنظام السياسي؟
بالطبع لا.
مواقفها تتجلى بوضوح حين تدعو إلى احترام الدستور والقانون، وحين تحثّ المواطنين على المشاركة في الانتخابات، تلك الانتخابات التي تضم الأحزاب نفسها التي يهاجمها البعض ليلًا ونهارًا.
وعندما تكون نسب المشاركة الشعبية مرتفعة، فإن ذلك يعني أن المرجعية تحترم خيارات الشعب وقراراته، حتى وإن لم تكن تلك الخيارات مثالية بنظر الجميع. فكيف يُعقل أن يُطلب من المرجعية عدم الإيمان بأحزاب اختارها الشعب عبر صناديق الاقتراع؟
لسنا هنا بصدد الترويج للمثالية المفرطة أو رسم صورة ملائكية للواقع السياسي. نحن هنا نتحدث بلغة المنطق.
المنطق يقول إن العراق بلد مكوّنات وطوائف، وإن ما وصلنا إليه من تأخير وتعثّر سببه تآمر شركاء الداخل، وارتباط بعضهم بالخارج، وسعيهم المستمر لإفشال أي تجربة سياسية يمكن أن تُنتج استقرارًا حقيقيًا.
كما أن الأحزاب الشيعية، ولا سيما تلك التي تحمل فكر المـ،،ــقاومة، لم تأخذ دورها الحقيقي ولا حجمها الطبيعي في مراحل مفصلية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على القرار التشريعي، ومن ثم على الواقع الخدمي والمعيشي للمواطن.
من هنا، يبقى الأمل معقودًا على الحكومة القادمة، بأن تؤدي دورها بصورة أفضل، وأن تعالج الملفات المتلكئة، لا بالخطاب فقط، بل بالفعل، وبفهم واقعي لما مرّ به البلد وما يحتاجه فعلًا في المرحلة المقبلة.


