ما بين عامَي 1990 و1995، كنا طلابًا في المرحلة الجامعية الأولى، ندرس البكالوريوس ونحمل على أكتافنا همَّ العلم في نهارٍ طويل يمتد حتى المساء وهروبا من الخدمة العسكرية الالزامية، وعلى صدورنا ضيق العيش الذي فرضه الحصار الاقتصادي بعد احتلال الكويت. سنوات عجاف، تمنحك شعورًا بأنك تسير وسط صحراء مترامية الأطراف؛ قاسية، جرداء، لا تُبقي ولا تذر، وكل ما تفعله هو مواصلة المشي لأن التوقف يعني السقوط.
لم يكن أمامنا إلّا أن نعمل. لم يكن خيارًا إضافيًا، بل كان طوق نجاة للبقاء، لنا ولعائلاتنا التي تتآكل من الداخل تحت لهيب الحصار و الفقر. وبما أن دوام الجامعة كان يمتد من الثامنة والنصف صباحًا حتى الرابعة والنصف عصرًا، لم يبقَ لنا سوى يوم الجمعة. الجمعة وحدها هي الرئة التي نتنفس منها العمل، وتعلّمنا فيها أسرار السوق وحرفه وقسوته.
كانت “الوگفة” في باب الشرجي، مقابل نصب الحرية، هي مسرح أحداث حياتنا. ذلك السوق المفتوح الذي تحول اليوم إلى كراج لسيارات النقل العام، كان في تلك السنوات ساحة نابضًه بوجه العراق الشعبي مقابل سينما الرصافي؛ سوقًا لكل ما يُباع ويُشترى: الملابس والأجهزة والساعات والكاسيتات والمجلات الأجنبية، وحتى ما لا تتخيله لكنه ومستعمل او معاد تدويره.
كل واحد منا كان يحمل مهنة مؤقتة تختلف عن دراسته وتطلعاته:
منّا من يبيع الشيسوارات، وآخر يبيع مجلات مستعملة اجنية تفيد طلاب كلية اللغات، وزميل ثالث يصلح الساعات، ورابع يتاجر بكاسيتات الأغاني الأجنبية. كنا أبناء تلك الأيام القاسية، نضحك رغم أن الجيوب فارغة، ونسير رغم أن الدرب متعب، ونتمسك بالأمل رغم أن المستقبل غامض كسماء بلا نجوم.
لكن قصتنا اليوم ليست عن الحصار، بل عن مشهد واحد كنا نراه ونضحك منه دون أن ندرك أنه يحمل استعارة سياسية عميقة.
كنا نملك في الجامعة زميلًا مختلفًا. كل أسبوع يدخل القاعة بطقم جديد، حذاء جديد، ساعة جديدة، وعطر جديد. فتيات الجامعة الثريات تلتف حوله، تتنافس عليه، تقدّم له الهدايا والدعوات في المطاعم الراقية، وتغدق عليه بما لا تحلم به جيوب الشباب الفقراء. البعض ظنه من طبقة ثرية، وآخرون حَسِبوه ابن مسؤول أو وريث تجارة كبيرة.
لكن الحقيقة؟
كان الفتى “ابن سوگ”، يعمل معنا في الوقفة، ويبيع كل جمعة طقمه السابق، وحذاءه، وساعته، وحتى ملابسه الداخلية إن اضطر الأمر! ثم يشتري بدلها مستعملًا بحالة ممتازة، بسعر أقل مما باعه، وبربح صافٍ!
كنا نسخر منه لأنه لا يحب الاستحمام كثيرًا، لكن الواقع أن الرجل كان تاجرًا بالفطرة. يغيّر جلده كل أسبوع، ويُعيد تشكيل صورته من جديد، ويخدع الفتيات دون أن يتلفظ بكلمة. لم يكن غنيًا، بل يعرف فقط من أين تؤكل الكتف.
واليوم، ونحن ننظر إلى أمريكا العظمى، نراها تفعل ذات الحيلة.
دولة مُثقلة بالديون، تنهشها الفجوات السياسية، وتنهار تحتها منظومات قيمية واقتصادية واجتماعية، وتعيش على إرثٍ من الحروب التي لم تجر عليها سوى أثقال التاريخ. ومع ذلك، تُبدِّل جلدها في كل حقبة، تغيّر خطابها، تجدد وجهها، وتعيد تصميم صورتها لتبدو وكأنها دائمًا جديدة، قوية، صافية، مشرقة.
تدخل على الدول الغنية بالنفط، خاصةً العربية، بمظهر الاعب اللامع، الوسيم، القادر على الإدارة، فتنجذب إليه الدول طمعًا في علاقة خاصة، تحت قناعة أن الاستثمارات فيه مربحة، وأن التحالف معه آمن، وأن كلمته موثوقة.
لكنها في الحقيقة تبيع ما تملك وما لا تملك.
تبيع الوعود.
تبيع المواقف.
تبيع السياسات.
وتعيد شراءها بأرخص مما باعته، لتعود وتقدمها من جديد بربح أكبر.
أمريكا اليوم مثل زميلنا بائع الملابس القديمة:
تعيش على صورةٍ ليست لها،
تربح من بضائع ليست جديدة،
وتعيد تدوير نفسها على حساب الآخرين.
الفرق الوحيد؟
زميلنا يومها كان يتعامل بذكاء بريء، يبتسم ويضحك ويتعب ويجتهد ليعيش. أما أمريكا فتلعب على مقاييس الدماء والاقتصاد والسيطرة والقرارات المصيرية، وتعيد هندسة العالم بما يخدم مصالحها وحدها.
لو عرف زميلنا القديم أنه صار استعارة سياسية بهذا الحجم، لضحك حتى البكاء.
وربما قال لنا بثقة السوق التي تربى فيها:
“يا شباب… الدنيا مثل الوگفة!
اللي ما يعرف يبيع نفسه، يشتريه غيره.”
ذلك الزمن مرّ، لكن دروسه لم تمر.
من الوگفة وطلابها البسطاء، إلى واشنطن ودهاليزها العميقة… الصورة واحدة:
هناك من يبدّل جلده ليعيش،
وهناك من يبدّل جلده ليهيمن.
وقد نكون نحن، من دون قصد، أكثر وعيًا مما نظن.


