في أغرب نسخة برلمانية عرفها العراق منذ تأسيس الدولة، لم تعد الحكومات تُمنح الثقة بعدد الأصوات، ولا وفق الدستور، ولا حتى وفق النظام الداخلي لمجلس النواب، بل أصبحت تُحسم بسرعة “ثلاث ثوانٍ” وبإشارة إصبع من منصة الرئاسة، وكأن الشعب العراقي انتخب “حكم ساحة” لا رئيسًا لمجلس النواب.
ما جرى داخل البرلمان لم يكن جلسة تصويت، بل كان أقرب إلى فقرة سحرية في سيرك سياسي رديء الإخراج. النواب يرفعون الأيدي، الكاميرات مرتبكة، القاعة تضج، والنتيجة تُعلن قبل أن تكتمل حركة الأذرع في الهواء. وكأن هيبت الحلبوسي امتلك جهاز “ريموت كونترول” يقرر به من ينجح ومن يُقصى، ومن يصبح وزيرًا ومن يُرمى خارج التشكيلة، دون عدٍّ حقيقي، ولا تدقيق، ولا حتى احترام لعقول العراقيين.
المضحك المبكي أن بعض الوزراء حصلوا على “الثقة” قبل أن يعرف النواب أصلًا عدد المصوتين لهم. أما من لا يريده رئيس الجلسة، فيسقط فورًا حتى لو ارتفعت له الأيدي من كل زوايا القاعة. هكذا ببساطة… الديمقراطية العراقية أصبحت تعتمد على “مزاج المنصة” لا على أصوات ممثلي الشعب.
أي مهزلة هذه؟
في كل برلمانات العالم تُحسب الأصوات إلكترونيًا أو يدويًا بدقة، إلا في العراق… حيث تحولت الجلسات إلى سباق سرعة، وكأن الرئاسة تخشى أن يكتشف أحد الحقيقة إذا استغرق العد أكثر من خمس ثوانٍ.
والأخطر من ذلك أن الفضيحة لم تتوقف عند التلاعب السياسي، بل وصلت إلى مستوى العبث الجنائي الصريح، بعد الحديث عن مشاركة موظفين داخل القاعة برفع الأيدي لزيادة عدد المصوتين، رغم أنهم ليسوا نوابًا أصلًا. موظفون، حمايات، إداريون، وحتى سكرتير مدير مكتب رئيس مجلس النواب نفسه دخل في “معركة الأيادي المرفوعة”، وكأن البرلمان تحول إلى حفلة زفاف عشائرية يُطلب فيها من الجميع رفع الأيدي عند التصويت على نوع العشاء.
أي دستور هذا الذي يسمح لموظف إداري أن يتحول فجأة إلى “ممثل للشعب”؟ وأي مؤسسة تشريعية هذه التي تختلط فيها أصوات النواب بأصوات السكرتارية والحمايات؟
ما حدث لم يكن مجرد مخالفة إجرائية، بل جريمة سياسية كاملة الأركان ضد هيبة الدولة والدستور والإرادة الشعبية. ورئاسة مجلس النواب، بتصرفها هذا، لم تُسقط فقط ما تبقى من الثقة بالمؤسسة التشريعية، بل وقّعت بنفسها على ورقة عزلها السياسي والأخلاقي والدستوري.
فالانشقاقات التي بدأت تضرب المجلس اليوم لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة شعور كثير من النواب بأنهم تعرضوا للخديعة داخل قاعة يفترض أنها تمثل “إرادة الأمة”، فإذا بها تتحول إلى مسرح لإدارة النتائج مسبقًا.
لقد أصبح البرلمان العراقي يشبه جهاز “البصمة المعطل”… لا أحد يعرف من حضر، ومن صوّت، ومن عدّ الأصوات، ومن أعلن النتائج، لكن الجميع يعرف شيئًا واحدًا فقط: أن القرار لم يعد قرار النواب… بل قرار من يمسك المطرقة ويصرخ أولًا: “تمت الموافقة”.
وهكذا، وفي زمن الانهيارات الكبرى، دخل العراق مرحلة جديدة من الديمقراطية العجيبة: ديمقراطية “الأيادي الطائرة”، حيث يمكن لأي موظف أن يصبح نائبًا لثلاث ثوانٍ… ثم يعود بعدها ليقدّم الشاي في مكتب الرئاسة.


