أن وزيرة المالية طيف سامي تهدد الموظفين بالاستقالة إن لم يقبلوا بأن يكون الراتب كل ٤٥ يوم في بلد أنهكته الأزمات وأتعبته الوعود وكسرت ظهره التجارب المرة يخرج علينا تصريح لوزيرة المالية مفاده أن الرواتب ستكون كل (٤٥) يوما ومن لا يعجبه الأمر فليستقل..
جملة قصيرة لكنها ثقيلة كالصاعقة لأنها لا تمس رقما في موازنة بل تمس كرامة إنسان وحق أسرة واستقرار وطن. أي منطق هذا الذي يخاطب به الموظف؟ وأي عدالة هذه التي تجعل الراتب وهو ثمرة جهد وحق مكتسب منة تؤجل أو سيفا يشهر؟ وهل بات التهديد بقطع لقمة العيش سياسة مالية؟ أم اعترافا ضمنيا بالعجز وسوء الإدارة؟ الراتب حق لا صدقة الوظيفة عقدبين الدولة والمواطن جهد مقابل أجر. هكذا تدار الدول لا بالتهديد ولا بالوعيد.
يقول الله تعالى: (يا أَيها الذين امنوا أَوْفوا بالعقود) (المائدة: ١)
والعقد هنا ليس ورقة بل التزام أخلاقي وقانوني. فإذا أخلت الدولة به فمن يفي؟ ويقول سبحانه:(ولا تبخسوا الناس أَشياءهم) (الأعراف: ٨٥)
فأي بخس أشد من تأخير راتب تعيش به أسر وتسدد به إيجارات وتؤمن به مدارس ودواء؟التهديد لغة العاجزين أن يقال للموظف (إن لم يعجبك فاستقل) فذلك ليس حلا ماليا بل هروب سياسي من المسؤولية.
ان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول في عهده لمالك الأشتر: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم) فأين الرحمة في تهديد المعيل؟ وأين اللطف في زعزعة الأمن المعيشي؟
وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فهل المسؤولية تعني تحميل الضعيف تبعات فشل القوي؟ هل هذا قدر الشعب؟ ليس قدرا أن يهان الموظف ولا قدرا أن تدار الدولة بالتصريحات المستفزة. القدر الحقيقي هو سوء التخطيط وغياب العدالة في توزيع الأعباء وترك أبواب الهدر والفساد مفتوحة ثم مطالبة المواطن بدفع الثمن.
يقول الله تعالى (إِن الله يأمر بالعدل والاحسان) (النحل: ٩٠)
والعدل يبدأ من الراتب المنتظم لا من البيانات المتقلبة. وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)
فكيف بمن يؤخر أجره أسابيع ويهدد إن تكلم؟ليست المشكلة في (٤٥) يوما فحسب بل في العقلية التي ترى الشعب خيارا ثانويا. الدولة التي تحترم مواطنيها لا تساومهم على قوتهم ولا تلوح لهم بالاستقالة كحل. الشعوب لا تحكم بالتهديد بل تدار بالعدل. وإن كان هذا هو (الواقع) الذي يراد فرضه فليعلموا أن الصبر ليس استسلاما وأن كرامة الناس ليست بندا يؤجل في جداول الصرف. ليس الجوع قدرا مكتوبا على جبين هذا الشعب ولا الذل سياسة سماوية بل هو نتاج أيد أخفقت ثم أرادت أن تسكت الناس بالتهديد. حين تؤجل الرواتب وتكسر النفوس ويقال للموظف (استقل إن لم يعجبك) فاعلموا أنكم لا تديرون دولة بلتدفعونها نحو الانفجارالصامت.
تذكروا أن الله لا ينام عن حق مظلوم وأن أنين الجائع إذا صعد للسماء لا يحتاج إلى بيان وزاري. قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (ما جاع فقير إلا بما متع به غني) فكيف إذا جاع موظف بسبب فشل من يفترض بهم أن يحفظوا ماله؟اعلموا أن الكرسي لا يدوم وأن التهديد لا يبني وطنا وأن لقمة العيش إذا صارت أداة ضغط فذلك إعلان إفلاس أخلاقي قبل أن يكون ماليا. سيبقى الشعب وتسقط السياسات التي راهنت على صبره حتى آخر رغيف.
نقول لكم ونخاطبكم يا حكومة يا برلمان وأنتِ يا وزيرة المالية كفى عبثا بمصير الناس وكفى استهانة بكرامة الشعب. لقد حولتم الراتب (وهو حق شرعي وقانوني) إلى ورقة ضغط ولقمة العيش إلى وسيلة تهديد وكأن المواطن متهم يطلب عفوا لا أجيرا يطالب بأجره. أيها البرلمان أين أصواتكم حين جاعت البيوت؟ أين لجانكم حين تأخرت الرواتب؟ لم نسمع منكم إلا صمتا ثقيلا كأنكم شركاء في الجريمة أو شهود زور. تستلمون رواتبكم كاملة وفي وقتها ثم تطلبون من الشعب الصبر! أي نفاق هذا؟ وأي وقاحة سياسية هذه؟ وأنت يا وزيرة المالية حين تقولين (من لا يعجبه فليستقل) فاعلمي أنك تجاوزت حدود المنصب وتحدثت بلغة المتسلط لا بلغة المسؤول. من فشل في إدارة المال العام لا يملك حق تهديد الناس ومن عجز عن إيجاد الحلول لا يجوز له أن يعاقب الموظف بعجزه.
تذكروا جميعا (وقفوهم إِنهم مسئولون) ستسألون عن كل يوم جوع وكل بيت اهتز وكل طفل نام بلا عشاء بسبب قراراتكم.
هذا الشعب ليس ضعيفا لكنه صبور والصبر إذا انتهى لا ينذر. الحق لا يؤخذ بالاستجداء بل بالمواجهة والكلمة الصادقة اليوم أقوى من كل بياناتكم المزيفة. إما أن تعيدوا للناس حقوقهم بكرامة أو اعلموا أن التاريخ سيكتب أسماءكم في صفحة من خان الأمانة لا من خدم الوطن نعم انتم سراق الوطن اخرجوا من عراقنا أن يومكم ليس ببعيد.
