قال لاريجاني امين المجلس القومي الايراني في تغريدته “مع صدور مواقف من ترامب ومسؤولين إسرائيليين اتّضحت خفايا ما يجري خلف الكواليس”.
لم يكن ردّ أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني على تغريدة دونالد ترامب مجرّد موقف سياسي عابر، بل كشفاً صريحاً لآلية عمل باتت معروفة في إدارة الصراعات الدولية الحديثة؛ حيث تُستَخدم وسائل التواصل، والتصريحات العلنية، كأدوات ضغط وتدخّل لا تقل خطورة عن الدبابات والعقوبات. فحين يخرج رئيس أمريكي أو مسؤول إسرائيلي للتعليق على تظاهرات داخل دولة ذات سيادة، فإن الأمر لا يرتبط بحرص مفاجئ على حقوق الشعوب، بقدر ما يعكس استثماراً سياسياً ممنهجاً في الأزمات الداخلية.
التدخل السافر في شؤون الدول، كما وصفه كثيرون، هو جزء من استراتيجية أوسع تقوم على إضعاف الخصوم من الداخل بدل المواجهة المباشرة.
الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، تدركان أن الحروب التقليدية باتت مكلفة سياسياً واقتصادياً، وأن تفجير التناقضات الداخلية، أو توظيف الغضب الشعبي، يحقق نتائج أعمق وأقل كلفة.
من هنا، تصبح التظاهرات أو الأزمات الاجتماعية مادة جاهزة للخطاب الخارجي، تُستَخدم لنزع الشرعية عن الأنظمة غير المنسجمة مع المشروع الأمريكي–الإسرائيلي.
دخول نتنياهو على هذا الخط ليس مستغرباً؛ فإسرائيل بنت عقيدتها الأمنية على مبدأ استدامة التوتر في الإقليم.
السلام الشامل، من منظورها، ليس ضمانة للأمن، بل تهديد له، لأنه ينتج دولاً مستقرة قادرة على بناء اقتصادها وجيوشها وقرارها السيادي. أما الفوضى، فهي البيئة المثالية لتكريس التفوق الإسرائيلي، وإبقاء المنطقة في حالة إنهاك دائم.
لذلك، فإن أي اضطراب داخلي في دولة إقليمية كإيران يُنظر إليه في تل أبيب وواشنطن كفرصة استراتيجية لا كقضية إنسانية.
أما دونالد ترامب، فقد مثّل نموذجًا فجاًّ لهذا التفكير؛ إذ حوّل السياسة الخارجية إلى امتداد للصراع الداخلي الأمريكي. فالتصعيد الخارجي، وإطلاق التصريحات النارية، كان وسيلة لحشد القاعدة الانتخابية، وصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية، وتقديم نفسه بوصفه “رئيساً قوياً” في مواجهة خصوم الخارج. وهنا يلتقي منطق ترامب الشعبوي مع منطق نتنياهو القائم على صناعة العدو الدائم.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه:
لماذا لا يسعون إلى السلام بدل الحرب؟
لأن السلام، ببساطة، لا يخدم منظومتهم السياسية والاقتصادية.
السلام يعني تراجع دور السلاح، وانخفاض الحاجة إلى القواعد العسكرية، وتقلص القدرة على الابتزاز السياسي.
بينما استمرار التوتر يضمن بقاء الهيمنة، ويبرر التدخل، ويمنحهم حق الوصاية الأخلاقية المزيّفة على شعوب المنطقة.
في هذا السياق، يصبح تصريح لاريجاني قراءة سياسية عميقة لا ردًّا انفعاليًا؛ إذ يضع التدخل الأمريكي–الإسرائيلي في إطاره الحقيقي، بوصفه محاولة لتدويل أزمة داخلية، وتحويلها إلى أداة في صراع أكبر على النفوذ والسيادة.
إنها معركة وعي بقدر ما هي معركة سياسة، حيث لم تعد الجيوش وحدها من تشعل الحروب، بل الكلمات، والتغريدات، والرسائل الموجّهة بعناية.
وهكذا، فإن المشكلة لا تكمن فقط في تدخل ترامب أو نتنياهو، بل في نموذج دولي بات يرى في الفوضى وسيلة حكم، وفي الاضطراب وقوداً للمصالح.
أما السلام، ففي هذا النموذج، ليس هدفاً مؤجلاً فحسب، بل خياراً غير مرغوب فيه أصلاً .


