في ظل تصاعد محاولات تقييد حرية الإعلام وفرض سياسات الخطاب الموجّه، تواجه المبادئ الدستورية والتقاليد المهنية للإعلام العراقي تحدياً خطيراً.
إن تكميم الأفواه والحد من استقلالية المؤسسات الإعلامية لا يُهدد فقط حق الأفراد في التعبير عن آرائهم، بل يُضعف ركائز الديمقراطية والشفافية التي يسعى العراق لتعزيزها.
هذا الرد يُسلط الضوء على الخروقات القانونية والدستورية الكامنة في هذه المحاولات، ويُؤكد أن حرية الإعلام ليست امتيازاً، بل حقاً دستورياً لا يمكن التنازل عنه.
هل نحن بتوجيه الاعلام أم بأعلام موجه
الإطار الدستوري والقانوني
الدستور العراقي لعام 2005 – المادة (38)
- يضمن الدستور العراقي حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، بما في ذلك حرية الصحافة والطباعة والإعلام.
- أي توجيه يُقيّد الإعلام أو يفرض خطاباً موجهاً يتعارض مع هذه المادة، مما يجعل الكتاب أعلاه غير دستوري.
الالتزامات الدولية
- العراق مُلزم بالاتفاقيات الدولية مثل:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – المادة (19) تضمن حق كل فرد في التعبير عن رأيه بحرية.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – المادة (19) تحظر القيود على الإعلام إلا في ظروف محدودة مثل حماية الأمن القومي أو النظام العام، بشرط أن تكون هذه القيود متناسبة ومحددة بوضوح.
- الكتاب يخالف هذه الالتزامات، حيث يفرض قيوداً فضفاضة وغير مبررة على حرية الإعلام.
تحليل البنود الواردة في الكتاب
منع استضافة شخصيات أو تناول مواضيع تُسبب “إرباكاً” للأجهزة الأمنية والعسكرية
- مخالفة دستورية:
- الدستور يضمن حرية النقاش العام، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالأجهزة الحكومية.
- منع استضافة شخصيات أو تناول قضايا “تُربك” الأجهزة الأمنية يمثل رقابة مسبقة مخالفة للقانون.
- مخالفة مهنية:
- الإعلام له دور رقابي ضروري في مراقبة أداء الأجهزة الحكومية، بما فيها الأجهزة الأمنية، لضمان الشفافية والمساءلة.
- رد قانوني:
- هذا التقييد ينتهك مبادئ الشفافية والمساءلة الواردة في المادة (61) من الدستور، والتي تمنح السلطة التشريعية دور الرقابة على الأداء الحكومي، ويجب أن تكون وسائل الإعلام شريكاً في هذه الرقابة.
اعدم استضافة شخصيات مطلوبة قضائياً أو مثيرة للجدل
- مخالفة لمبدأ البراءة حتى تثبت الإدانة:
- القانون العراقي لا يمنع الشخصيات المتهمة أو المطلوبين قضائياً من التعبير عن آرائهم حتى يصدر حكم قضائي نهائي.
- استضافة هذه الشخصيات ليست جريمة بحد ذاتها، وتُعد جزءاً من حرية الإعلام.
- رد قانوني
- يُطلب من الجهات المُصدرة للتوجيهات تقديم سند قانوني واضح يُبرر منع هذه الاستضافات.
- الكتاب يخالف الفقرة (1) من المادة (19) في الدستور التي تكفل “عدم جواز توقيع عقوبات دون حكم قضائي”.
الامتناع عن انتقاد الجهات الرسمية أو تسليط الضوء على إجراءاتها
- مخالفة لحرية التعبير
- الامتناع عن انتقاد الجهات الرسمية يُعدّ انتهاكاً لحرية التعبير التي كفلها الدستور.
- الأجهزة الحكومية يجب أن تكون خاضعة للمساءلة، والإعلام هو الأداة الرئيسية لضمان ذلك.
- رد قانوني
- المادة (102) من الدستور تنص على استقلالية المؤسسات الرقابية، مثل الإعلام، مما يجعل فرض الرقابة المسبقة أو توجيه الإعلام غير قانوني.
- انتقاد الأداء الحكومي حق مكفول بموجب القوانين الوطنية والدولية.
الامتناع عن الإساءة إلى “دول صديقة” أو “الكيان الصهيوني”
- إشكال قانوني
- الدستور العراقي يرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني بموجب المادة (1) من قانون حظر التطبيع مع إسرائيل (2022).
- ولكن فرض منع شامل على تناول هذا الموضوع إعلامياً يُعد انتهاكاً لحرية النقاش العام، خاصة إذا كان يتناول مواقف سياسية أو تاريخية.
- رد قانوني
- يُطلب من هيئة الإعلام تقديم إطار قانوني يُفسر كيف يمكن للإعلام أن يُسيء لدولة أو كيان ما، وما إذا كان ذلك يدخل ضمن مفهوم حرية التعبير
عدم تناول مواضيع قد تؤدي إلى “زعزعة السلم المجتمعي”
- مفهوم فضفاض
- عبارة “زعزعة السلم المجتمعي” تُعدّ مصطلحاً عاماً وغير محدد قانونياً، مما يجعل استخدامها مفتوحاً للتأويل التعسفي.
- يُفترض أن يكون هناك تعريف قانوني دقيق لهذا المصطلح لتجنب استغلاله في تقييد الحريات.
- رد قانوني
- هذا البند يتعارض مع المادة (46) من الدستور التي تُجيز فرض قيود على الحريات فقط في أضيق الحدود، وبموجب قانون واضح وصريح.
الرد المهني
- الإعلام الحر هو أساس الديمقراطية ووسيلة لتعزيز الحوار المجتمعي، وليس مصدر تهديد للسلم المجتمعي.
- التوجيهات أعلاه تُجبر المؤسسات الإعلامية على الانحياز إلى خطاب السلطة، مما يُفقدها مصداقيتها وثقة الجمهور.
التوصيات القانونية
الطعن قضائياً
- يمكن الطعن في هذه التوجيهات أمام المحكمة الاتحادية العليا لانتهاكها مبادئ الدستور، خاصة المواد (38) و(46).
طلب تفسير رسمي
- يُطلب من هيئة الإعلام والاتصالات تقديم تفسير قانوني واضح للمصطلحات الفضفاضة الواردة في الكتاب، مثل “الإرباك”، و”السلم المجتمعي”.
التصعيد الإعلامي
- حث المنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية على إصدار بيانات ترفض هذه التوجيهات، وتسليط الضوء على التهديد الذي تمثله على حرية الصحافة.
التذكير بالالتزامات الدولية
- إرسال إشعار للهيئة بشأن التزامات العراق بموجب الاتفاقيات الدولية، وتحذيرها من احتمال تعرضها للمساءلة دولياً.
الخلاصة
الكتاب يتعارض مع الدستور العراقي والقوانين الدولية المتعلقة بحرية الإعلام وحق التعبير عن الرأي. الرد القانوني يجب أن يُركز على الطعن في دستورية هذه التوجيهات وفضح استخدام المصطلحات الفضفاضة لتقييد الحريات الأساسية.


