لابد لأيما دولة من نواة وطنية ، تكون بمثابة عمود فقري يستطيع المحافظة على كيانية الدولة ومن الانهيار ،ومن ثم يرتبط بقاء الدولة ، بمدى قوة وصلابة تلك النواة وظروف تشكلها واستمراريتها ،مع قدرتها على أداء مهامها .
النواة الوطنية قد تتشكل من مجموعة سكانية طائفية أو قومية أو دينية ،أو ماشابه ،بمعنى تمتلك مايجمعها ويشكّل حقلاً متجانساً لها ،لكن انتماءاتها تلك ، تستطيع ان تجعل منها قطبا محوريا للهوية الوطنية ، من دون ان تجعل مفهوم الوطنية حصرياً لها دون غيرها ،انها والحالة هذه، مرتكزاً وليست هدفاً او امتيازاً ، والا انعكست سلباً على المفهوم والوطنية معاً.
العراق من الدول الإقليمية الأربع الكبرى التي تمتلك مقومات الدولة (تركيا – مصر –إيران- العراق ) لكن في وقت استندت النواة الوطنية في مصر على الإسلامية الفرعونية ،والتركية على الإسلامية الطورانية ،وهما أكثريتان في البلدين ،استندت إيران على الشيعية الفارسية ،أي جمعت بين تاريخية وحيوية الفارسية ،مع المذهبية الشيعية وقدرتها على الانتشار والاستقطاب .
العراق وحده من بينها ، بقي من دون نواة وطنية ،فالمكّون الذي كان ينبغي أن تلقى على عاتقه تشكيل النواة بحكم أكثريته ، بقي مبعثراً أو مقموعاً أو باشتباك مع السلطة ،أماالسلطات المتعاقبة ، فقد انهمكت بدورها في تثبيت سلطتها ، ضمن ايديلوجيا تتجاوز مفهوم الوطنية ،لتجعل من العراق جزءاً من كلّ ،وربما كان البلد الوحيد الذي استمر بهذه الإشكالية طوال عصره الحديث من نشوء دولته الأولى في عشرينات القرن الماضي ،ومازالت مستمرة .
لم يتغير الأمر جوهرياً بعد سقوط الدكتاتورية في نسيان 2003،فالقوى التي جاءت الى السلطة ،كانت من حركات الإسلام السياسة ذات الالتباس في مفهوم الهوية الوطنية منذ نشوئها ،ومع الإشكاليات التي عاشتها مرحلة العراق الجديد ، والتدخلات السافرة اقليميا ودولياً ،ازداد تبعاً لذلك تبعثر النواة الوطنية ، ولم تستطع ان تفكّر أو تعمل بمجرد وضع اللبنات الأولى لمفهوم الوطنية .
لقد وقفت الأكثرية السكّانية من العراق ،ذات الاحالات أو التسميات الطائفية (الشيعة) متعثرة في بناء الدولة ،أو اقناع الآخرين بجدوى توجهاتها ،كذلك انهمكت بمواجهة العنف الذي لجأت إليه قوى أخرى ، حسبت على مكون طائفي آخر (العرب السنّة)من أجل تغيير المعادلة السياسية ،إن لم يكن إعادة أوضاع الحكم إلى ماكانت عليه .
السنوات التي تلت سقوط الدكتاتورية ،هي الأكثر حراجة في تاريخ العراق ،وكانت البلاد تواجه مصائر كارثية ،ليس أقلها الحرب الأهلية المعلنة الواقعة فعلاً .
لكن النجدة جاءت مما لم يكن متوقعاً ،من المنظمات الإرهابية ذاتها ،فقد كشفت عن نفسها وجغرفت وجودها ، باحتلالها مدناً كبيرة ، تسكنها مكونات عراقية مختلفة ،وكان العمل الاول الذي قامت به ،انها ارتكبت مجازر جعلت الدول الكبرى تتصادم مع مشروعها .
وكما تنبت وردة من داخل الأشواك ،نبتت النواة الوطنية من الطائفية ذاتها ،إذ لم يبق للعراق – تسمية وفعل- مايدافع عنه ، سوى سكان بعينهم يمثلون أكثرية العراق .
المطالب المتواصلة بالانفصال، والأوضاع الخاصة التي كونوها خلال سنوات ،جعلت الكرد واقعاً ،خارج موضوع المساهمة في بناء النواة أو غير معنيين بها ،أما العرب السنّة ،فاصطفاف أكثريتهم – طوعاً أو قسراً- إلى جانب المنظمات العنفية وتسمياتها اللاحقة (داعش )أو (دولة الخلافة) ،ما جعلهم كذلك خارج دائرة النواة الوطنية – أقلّه في الأوقات الحرجة ، وهكذا لم يبق في الساحة سوى الشيعة ، الذين رصوا صفوفهم خلف مرجعياتهم الدينية بشكل أساس ،لينظّموا صفوفهم ويقدموا أنفسهم باعتبارهم المدافع عن الهوية العراقية .
تشكيل النواة ولكي تستحق اسمها (الوطنية)مهمة ليست دون عوائق وصعوبات كبيرة،فعلى النواة الوطنية ان لاتكتفي بقدرتها على الدفاع عن (الوطن)ومن ثم تقوم باحتكاره كما فعلت الأنظمة السابقة ،بل ان مهامها ستكون متشعبة وذات مستويات متعددة ،فهي الى جانب مهمتها الأساس ،عليها أن تبلور مفهوم الوطنية بما يتجاوز الطائفية أو الأثنية ،وسط أجواء تعيش تلك الانقسامات بكلّ أبعادها ،مايتطلب تجنّب الخطاب الطائفي عند الشيعة ،في الوقت الذي يتبلور فيه مشروع وطني يربط مصالح جميع المكونات ،ويقنعهم بجدوى الوطن الجامع على حساب الطروحات التقسيمية .
بعد سقوط الموصل ورؤية مافعله الإرهاب ،تسارعت دول الكثير من العالم لتأييد العراق ،وكان أهمها اتخاذ قرار من مجلس الأمن الدولي باعتبار(داعش )ومن يؤديها ويمولها ويسلحها ،ضمن البند السابع ،أي إعطاء الحق لدول العالم ،باستخدام كافة الوسائل بما فيها القوة العسكرية ،ما يعني في مضمونه ،منح العراق حقّ مطاردة الإرهاب في أي مكان – بما فيها دول الجوار ان تطلب الأمر – كذلك طلب المساعدة من أعضاء مجلس الأمن أو أية دولة أخرى خارج المجلس ، بما فيها العسكرية منها ، في سبيل مطاردة الإرهاب ومن يدعمه-
أشخاصاً أو جمعيات أو حكومات
تلك حالة استثنائية ، كان على العراق أن يشحنها بفوائدها القصوى ليتمكن من البناء ،لقد دخل العراق بعد احداث الموصل ،مايمكن تسميته بمرحلة ((التبلور الوطني ))وهي مرحلة وسطى بين التفكك الوطني من جهة ، والبناء الوطني من جهة أخرى .
ذلك ماوفرته مجموعة من العوامل أهمها :
1:شعور العالم بخطر الإرهاب بعد وصوله الى أعلى مستويات مراحلة الممثل ب(دولة الخلافة) ، التي بات خطرها يهدد الجميع ،وهي أخطار لاتقتصر على عمليات ارهابية نوعية كما عند القاعدة ،بل إلى إقامة دولة تستهوي بطروحاتها الكثير من الشباب عبر العالم
، بما فيها الدول المتقدمة،خاصة بعد أن بدأ مفهوم الدولة الليبرالية (الرفاه والعقد الاجتماعي ،يواجه إشكالاته البنيوية .
2:لأول مرة يواجه الشيعة خطراً مباشراً يهدد ليس وجودهم السياسي وحسب ،بل الاجتماعي كذلك، ما جعلهم يتراصفون خلف هدف واحد ، يحمل طبيعة الهجوم، لأول مرة منذ تسلمهم السلطة ،لكنه هذه المرة مبرراً ومدعوما ،إذ ظهروا بمثابة رأس حربة لقوى العالم التي تقاتل الإرهاب ،ومن ثم فهم اضافة الى تقدمهم نحن تكوين النواة الوطنية لأول مرة في تاريخ العراق الحديث ،فإن بإمكانهم كذلك تشكيل قوات عسكرية تستطيع القيام بمهامتها ،ومن ثم فالمهمات المقبلة ، قد تتجاوز ماحصل عليه العراق في أزمنة مضت.
كان من حسن حظ العراق ربما ،أن تظهر داعش على الصورة التي ظهرت عليها .
3: لأول يحدث أن الطائفية عند الشيعة يمكن تحويلها الى قطب تدور حوله مفاهيم الوطنية ، فالعرب السنّة تحولت قضية الإرهاب ضدهم ، ودفعوا اثمانا غالية ، من دون أن يكسبوا شيئا بالمقابل ،ما ادى الى تبلور نواة عراقية ستخرج من ثوب الطروحات القومية ، التي لم تنفعهم بشيء ،ومن المراهنة على العنف الذي لم يستطع تقديم شيء ،فقساوة التجربة يمكن أن تجعل العودة الى المفهوم الوطني أكثر نضجاً وتبلوراً ،مايضيف زخما إلى النواة الوطنية .
4: أنكشاف لاجدوى الطروحات الكردية في معنى الخطاب القومي والدعوة الى تشكيل دولة كردية كبرى تتجاوز الطائفيات ، فقد اوشكت(داعش )أن تسقط مدن الإقليم لولا التدخل الخارجي ،وما كان ذلك ليحصل لولا مراهنة داعش على تعاون بعض الكرد معها ،خاصة وخطابها (الإسلامي ) في اقامة دولة الخلافة ـ يتجاوز القوميات بل ويحاربها ، باعتبارها جزءاً من العلمانية الكافرة ، وإذا كانت داعش قد استقطبت انصاراً من جنسيات وقوميات أوروبية وأمريكية ،فكيف بالكرد ؟؟ كذلك ظهر ان العلويين الكرد في تركيا ، والشيعة الكرد في إيران ،لم ينشدوا كثيراً للدعوى القومية على حساب انتماءاتهم الطائفية ،وهكذا تبين ان الخطاب القومي الكردي ،قد لايصمد كثيرا أمام أحداث تطبعها الانقسامات الطائفية بالدرجة الأساس ،ذلك ماقد يسهم في انبثاق خطاب كردي عراقي مواز للخطاب القومي ،ماقد يضيف الى النواة الوطنية مصدراً آخر.
على تلك المعطيات ،يمكن قراءة المشهد العراقي ضمن توقعاته المستقبلية التي تشير الى انه دخل المرحلة الأكثر محورية في تاريخة الحديث والأكثر خصباً كذلك ،رغم سخونة الأحداث ،على أن تتوفر له قيادة تجيد قراءة الاحداث ووضع الاستراتيجيات ، وفكر سياسي حيوي وناضج يمتلك القدرة على استنباط النظرة الرؤيوية ، انطلاقا من التفاصيل الحدثية(من حدث) وما تحمله من دروس .


