منذ سنوات طويلة، والعراق يدور في حلقة مفرغة من الأزمات السياسية المتكررة أزمات لا تنتهي بحلول حقيقية بقدر ما ترحل بتسويات مؤقتة ومرشحين يقدمون بوصفهم (حلولاً وسطية) بينما هم في الحقيقة امتداد للمشكلة ذاتها. يتبدل الوجوه لكن المنهج واحد والنتيجة واحدة: دولة معلّقة، واقتصاد هش، ومجتمع يدفع الثمن وحده.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ألم يكتفِ الساسة العراقيون من لعبة سياسية أنهكت الحرث والنسل؟ ألم يدركوا أن البلاد تقف اليوم على شفا حفرة حقيقية، ليس فقط اقتصادياً، بل اجتماعياً وأخلاقياً ومؤسساتياً؟ بغداد، عاصمة التاريخ والحضارة، تُصنَّف بين أسوأ مدن العالم للعيش، والعراق يحتل مراتب متأخرة في مؤشرات النزاهة بينما الفساد بات ظاهرة عابرة لكل القطاعات من أعلى هرم الدولة إلى أدنى مفاصلها.
سياسة إدارة الأزمات
إن سياسة إدارة الأزمات بدل حلّها أصبحت نهجاً مقصوداً، تُستخدم فيه الخلافات كورقة ضغط وتُفتعل فيه العقد من أجل فرض تسويات اللحظة الأخيرة. هذه التسويات لا تُبنى على برامج أو رؤى وطنية، بل على مبدأ تقاسم النفوذ وتغليب المصالح الشخصية والحزبية، حتى باتت العملية السياسية تسير بعكاز التوافق الهش لا على قدمين ثابتتين من الدستور والمؤسسات.
مرشحو “التسوية” الذين يظهرون في كل مفصل سياسي حاسم، لا يأتون نتيجة استحقاق ديمقراطي ناضج، بل نتيجة عجز متراكم عن الحسم، وخوف دائم من الذهاب إلى خيارات جريئة. وهكذا، يتحول الحل المؤقت إلى قاعدة، والاستثناء إلى أصل، وتُفرغ الدولة من معناها، ويُفقد المواطن ثقته بأي عملية سياسية لا تعكس إرادته ولا تحمي مستقبله.
التسوية مقابل الاستحقاق الدستوري
ما يحتاجه العراق اليوم ليس مزيداً من المناورات، ولا خطابات التخدير، ولا وعود اللحظة الأخيرة، بل يحتاج إلى أمل حقيقي، إلى ضوء واضح في نهاية النفق يكون نقطة بداية لكل حوار، لا نهايته. أمل يقوم على مصارحة شجاعة مع الذات، وعلى الاعتراف بأن ما جرى ويجري هو فشل جماعي في إدارة الدولة، وليس خلافاً عابراً بين أطراف سياسية.
إن استقامة العملية السياسية لا تتحقق بالتسويات القسرية، بل باحترام قواعد اللعبة الديمقراطية، والاحتكام إلى الدستور، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر، ولو لمرة واحدة. فالدولة لا تُبنى بالتوافقات الهشة، بل بمؤسسات قوية، ومعارضة حقيقية، وحكومة تُحاسَب لا تُدار بالترضيات.
العراقيون لم يعودوا يطلبون المستحيل. يطلبون دولة تحميهم، واقتصاداً يمنحهم فرصة عيش كريمة، ونظاماً سياسياً يضع حداً للفوضى والفساد، لا أن يتعايش معه. يطلبون أن تنتهي مرحلة المماطلات، وأن تُغلق صفحة إدارة الأزمات إلى الأبد، ويبدأ عهد إدارة الدولة.
قد يبدو الطريق طويلاً وشاقاً، لكن أي بداية حقيقية لا بد أن تنطلق من الاعتراف بأن العراق يستحق أفضل مما هو عليه اليوم، وأن استمرار السياسة الحالية لا يعني سوى مزيد من الانهيار. الأمل لا يولد من التسويات المؤقتة، بل من قرار وطني شجاع يقول: كفى


