تتراكم الاتهامات الأميركية ضد فنزويلا بطريقة توحي بأن واشنطن تبحث دائماً عن ذريعة جديدة لتبرير خطواتها السياسية والعسكرية في أمريكا اللاتينية. فمن اتهامات “المخدرات” التي لطالما استخدمتها الإدارات المتعاقبة كحجة لإحكام القبضة على دول الجنوب، إلى الاتهامات الأكثر حساسية اليوم حول “الوجود الإيراني” و”موطئ قدم للحرس الثوري” في الكاريبي، يتضح أن واشنطن مستمرة في اعتماد منهج يخلط الأمن بالسياسة ويحوّل القلق الاستراتيجي إلى مبرّر للتدخل.
تصريحات وزير الخارجية الأميركي بأن فنزويلا أصبحت “موطئ قدم لإيران” ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة تتكرر كلما أرادت الولايات المتحدة خلق حالة طوارئ إقليمية. أما السيناتور ماركو روبيو فذهب أبعد من ذلك عبر تبنّي خطاب أكثر حدّة يتحدث عن “نشاطات عسكرية ومالية” للحرس الثوري والحزب اللبناني داخل الأراضي الفنزويلية، في مشهد يهدف لإنتاج صورة مضخّمة عن تهديد يقترب من الحدود الأميركية. وما بين الحالتين، تحاول واشنطن صناعة رواية مكتملة الأركان: دولة تمردت على السياسات الأميركية، تمتلك علاقات مع خصوم واشنطن، وتحتاج ـ من وجهة نظرهم ـ إلى “إعادة ضبط” بالقوة أو بالضغط.
لا يمكن تجاهل أن التعاون بين فنزويلا وإيران موجود بالفعل، لكنه تعاون اقتصادي وعسكري محدود، يشمل تكنولوجيا المسيّرات والخبرة الفنية في مجالات الصناعة والطاقة، وهو تعاون تبادلي لا يختلف عمّا تقوم به عشرات الدول حول العالم. أما تحويل هذا التعاون إلى تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي، فهو جزء من خطاب مبالغ يهدف إلى تهيئة الرأي العام الأميركي لأي إجراءات مستقبلية، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد في الكاريبي ووجود حشود عسكرية أميركية غير مسبوقة في المنطقة.
تاريخياً، كلما وجدت واشنطن نفسها أمام دولة لا تخضع لهيمنتها في الفناء الخلفي، تبدأ الاتهامات بالظهور تدريجياً: مرة عبر ورقة “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، ومرة عبر “الفساد والمخدرات”، ومرة عبر “النفوذ الأجنبي”، واليوم عبر “الوجود الإيراني”. هذا النمط ليس جديداً، بل يمثل جانباً من عقلية سياسية ترى حقاً حصرياً للولايات المتحدة في تحديد من يقترب من حدودها، بينما تحتفظ لنفسها بحرية التدخل في كل بقاع العالم.
ما يحدث اليوم لفنزويلا يعكس أيضاً تراجع قدرة واشنطن على فرض السيطرة الناعمة، ولجوءها المتزايد إلى القوة وإعادة تصنيع الخصوم، في ظل عالم يتحرك نحو التعددية وتراجع الهيمنة الأحادية. لذلك تظهر الاتهامات وكأنها جاهزة دائماً، تُسحب من الأدراج كلما احتاجت الإدارة الأميركية إلى ضغط إضافي، أو إلى خلق مسوغ لتدخل سياسي أو عسكري أو اقتصادي.
فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة متمردة على الإرادة الأميركية، بل أصبحت رمزاً لمدى انزعاج واشنطن من التحالفات العابرة للقارات التي تكسر نمط السيطرة الغربية. ولأن البدائل تتوسع، والأطراف الدولية تتجه لتعزيز شراكات لا تمر عبر واشنطن، فإن الاتهامات الأميركية تبدو وكأنها محاولة يائسة لإعادة ضبط ميزان نفوذ بدأ يفلت من يدها.
في النهاية، الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي أحد أدوات القوة التي تستخدمها الولايات المتحدة منذ عقود لصناعة صورة العدو وتبرير السياسات. وبين الاتهامات التي تبدأ بالمخدرات وتنتهي بإيران، يبقى جوهر الأزمة واحداً: دولة لم تقبل أن تُدار وفق الإرادة الأميركية، وواشنطن التي لا تقبل بسهولة أن تخسر مجالاً اعتادت اعتباره حديقتها الخلفية.


