الحروب على طاولة التفاوض… تسوية أم إعادة توزيع للقوة؟

الحروب على طاولة التفاوض... تسوية أم إعادة توزيع للقوة؟
تكشف التفاهمات المحتملة بين واشنطن وطهران عن محاولة لإدارة التصعيد لا إنهائه، وسط صراع على النفوذ وأمن الطاقة ومضيق هرمز. هشاشة الثقة المتبادلة تجعل أي اتفاق مؤقتاً، فيما يهدد فشله باضطراب إقليمي ودولي واسع النطاق...

في الشرق الأوسط لا شيء يُعلن كما هو، ولا شيء يُخفى بلا ثمن.
ما يتسرّب اليوم عن ملامح تفاوض محتمل بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءته كمسودة اتفاق عادية بل كإشارة مبكرة إلى تحوّل أعمق وهو إعادة صياغة قواعد الاشتباك في منطقة لم تعد تحتمل توازنات هشة أو حلولاً مؤقتة.

الحديث عن وقفٍ مؤقت لتخصيب اليورانيوم، مقابل تخفيف العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات ليس مجرد مقايضة تقنية بل إنه صراع إرادات مغلّف بلغة دبلوماسية.
واشنطن تريد تجميداً طويلاً يقيّد طموح طهران لعقود فيما تدفع إيران نحو فترة أقصر تحفظ لها هامش المناورة.
وبين الرقمين لا يجري التفاوض على الزمن فقط بل على مستقبل النفوذ.

لكن ما يبدو أكثر خطورة هو إدخال مضيق هرمز في قلب المعادلة.
هذا الشريان الذي تمر عبره نسبة حاسمة من تجارة الطاقة العالمية لم يعد مجرد ممر مائي بل أصبح ورقة ضغط استراتيجية تُستخدم لفرض التوازن أو كسره.
والحديث عن “تخفيف القيود” هناك ليس تفصيلاً بل اعتراف ضمني بأن أمن الملاحة بات رهينة قرار سياسي لا قاعدة دولية مستقرة.

الأخطر من ذلك أن هذه التسريبات – إن صحّت – تكشف ذهنية إدارة الأزمة لا حلّها. هدنة لـ30 يوماً مفاوضات في عواصم محايدة مثل جنيف أو إسلام آباد ووعود متبادلة قابلة للانهيار في أي لحظة.
نحن لا أمام اتفاق سلام بل أمام “تنظيم مؤقت للتصعيد” حيث يحتفظ كل طرف بحق العودة إلى المواجهة بمجرد تعثر المسار.

هنا تحديداً تكمن الإشكالية فالعالم لم يعد يتعامل مع أزمات منفصلة بل مع نظام دولي تتشابك فيه المصالح إلى حد الاندماج.
أي خلل في هذا المسار لن يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران بل سينعكس فوراً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد واستقرار الدول الهشة.
لم تعد الحروب تُقاس بحدودها الجغرافية، بل بارتداداتها الاقتصادية والأمنية العابرة للقارات.

فهل هذه التفاهمات المحتملة تمهّد لتسوية حقيقية ، أم أنها مجرد استراحة محارب لإعادة التموضع؟
التاريخ القريب يقول إن الاتفاقات التي تُبنى على انعدام الثقة لا تعيش طويلاً وأن ما يُؤجَّل اليوم قد ينفجر غداً بصورة أعنف.

في النهاية ما يجري ليس تفاوضاً على برنامج نووي فحسب بل اختبار لقدرة النظام الدولي على منع الانزلاق نحو فوضى مفتوحة.
وإذا كانت المصائر الدولية قد أصبحت بالفعل “مندمجة”، فإن إدارة هذه اللحظة لم تعد خياراً سياسياً بل ضرورة وجودية ، لأن البديل ليس فشل اتفاق .. بل انهيار توازن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *