الرسائل المخفية ..اختبار الصبر الايراني وجس النبض

الرسائل المخفية ..اختبار الصبر الايراني وجس النبض
يشهد الخليج تصعيداً محسوباً بين واشنطن وطهران يقوم على الردع المتبادل والرسائل العسكرية، مع حرص الطرفين على تجنب الحرب الشاملة. وتبرز أهمية مضيق هرمز كمركز صراع استراتيجي يؤثر في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي...

التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران لا يبدو حتى الآن حرباً شاملة بقدر ما يبدو “اختبار صبر متبادل” وجسّ نبض عسكري وسياسي قبل لحظة الحسم الكبرى.
فكل طرف يحاول أن يقول للآخر: “أستطيع الذهاب أبعد مما تتوقع… لكنني ما زلت أترك باب الاتفاق مفتوحاً.”

ما جرى في مياه الخليج ومحيط مضيق هرمز يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث تختلط الرسائل العسكرية بالمفاوضات، وتتحول كل طلقة إلى ورقة ضغط على طاولة التفاهمات القادمة.

القيادة المركزية الأمريكية تحدثت عن تعرض المدمرات الأمريكية USS Truxtun وUSS Rafael Peralta وUSS Mason لهجوم إيراني بصواريخ كروز وطائرات مسيرة انتحارية أثناء عبورها “مضيق هرمز وبحر عمان ” ثم ردت واشنطن بقصف مواقع عسكرية في بندر عباس وقشم .

الرواية الإيرانية تعكس صورة مختلفة تماماً؛ إذ تؤكد طهران أن القوات الأمريكية بدأت بالتصعيد عبر استهداف ناقلة نفط إيرانية قرب جاسك واقترابها بشكل استفزازي من مضيق هرمز، وأن الرد الإيراني جاء واسعاً باستخدام صواريخ باليستية ومسيرات حققت إصابات مباشرة في القوة الأمريكية، قبل أن تنفذ الطائرات الأمريكية غارات على بندر عباس وقشم ومقرات خفر السواحل في ميناب.

واشنطن تريد أن تثبت أن حرية الملاحة في الخليج ما تزال تحت السيطرة الأمريكية، وأن أي تهديد للممرات البحرية سيُقابل برد مباشر وفوري.
أما إيران فتسعى لإظهار أنها قادرة على تهديد أخطر شريان طاقة عالمي، وأن أي ضغط عسكري عليها سيجعل تكلفة الاستقرار العالمي باهظة جداً وان اي محاولة للاستفزاز من قبل القوات الامريكبة سيكون هناك رداً قوياً .

الولايات المتحدة لا تريد حرباً شاملة الآن ولا إيران تبدو راغبة في الانفجار الكامل.
إدارة ترامب رغم خطابها الحاد تدرك أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات كارثية، وتضرب الاقتصاد العالمي في لحظة حساسة تعاني فيها الأسواق من تضخم واضطرابات متراكمة.
كما أن واشنطن تعرف أن الحرب مع إيران لن تكون عملية جراحية سريعة، بل استنزافاً طويلاً يكلفها الكثير من الخسائر وربما الهزيمة التي لاتليق بدولة عظمى كامريكا وسيمتد الصراع من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب .

وفي المقابل تدرك إيران أن أي مواجهة واسعة قد تفتح عليها أبواب استنزاف اقتصادي وعسكري هائل خصوصاً مع استمرار العقوبات والضغط الدولي.

المشهد الحالي أقرب إلى “حافة الحرب المضبوطة”؛ ضربات محسوبة ، ردود محسوبة وتصعيد مدروس لا يصل إلى نقطة اللاعودة.

لكن هذا النوع من الصدامات يحمل دائماً خطر الخطأ القاتل ، فصاروخ يصيب هدفاً حساساً او سفينة تغرق أو سقوط أعداد كبيرة من القتلى، كل ذلك قد يدفع الطرفين فجأة من سياسة “الردع المتبادل” إلى “الانفجار المتبادل”.

الأخطر أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري بل تحول إلى مركز اختبار لإعادة رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط، فمن يفرض قواعد الاشتباك هناك يستطيع التأثير على الاقتصاد العالم وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية.

ولهذا فإن ما يجري اليوم ليس حادثاً عابراً ، بل فصل جديد من الصراع على النفوذ العالمي ، وواشنطن تريد تثبيت هيبتها البحرية ، وطهران تريد فرض معادلة تقول إن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق دون الاعتراف بقوتها ودورها ،بعيدا عن تواجد القوات الاجنبية الامريكية واعتداءاتها .

وفي ظل استمرار التفاوض غير المباشر بين الطرفين تبدو الاشتباكات الأخيرة وكأنها مفاوضات بالنار لا أكثر ، ورسائل ميدانية تُكتب بالصواريخ بدل الأوراق ، والتاريخ يقول إن أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بقرار واضح ، بل تلك التي تبدأ بسوء تقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *