لم تحظَ تحذيرات الخبراء عن تناقص مصادر المياه حول العالم بذات الاهتمام المطلوب، التي كانت تتحدث عن احتمالات نشوب حرب المياه. هذا التحذير أطلق منذ ما يقارب الثلاثة عقود من الزمن.
صحيح أن هذا الموضوع قد شغل دول العالم بنسب متفاوته من الاهتمام، ومع ذلك، فإن منطقتنا، وأقصد الشرق الأوسط، لم تعر أهمية إلى هذه التحذيرات، إلى أن وصل الحال حدّ بلوغ الخلافات بين الدول المتشاطئة ذروتها، وأمامنا مشاهد كثيرة، منها الخلاف بين العراق وتركيا، ومع إيران، وكذلك في مصر والسودان مع إثيوبيا، وحتى الأطماع الإسرائيلية للاستحواذ على نهر الأردن، وكذلك في جولان سوريا التي تحوي خزين مياه.
وفي ظل ندرة المياه، وتزايد النمو السكاني ومعدلات الاستهلاك منها، أصبحت المياه مادة ستراتيجية تندرج في أولويات الأمن القومي للبلدان.
وينذر الخبراء أنه في حال بقاء الوضع المائي والزراعي في الإقليم على ما هو عليه، من دون الأخذ في الاعتبار التأثيرات المحتملة لظاهرة تغير المناخ العالمي، يتوقع ألّا تستطيع المنطقة العربية تأمين سوى ربع احتياجاتها من الماء والغذاء، لأن معظم المصادر الرئيسة للمياه، ولاسيما في الدول العربية، تشترك فيها بلدان عدة، ولأن الدول المتشاطئة غالبًا لا توافق على الإجراءات التفاوضية الخاصة باقتسام الإمداد المتاح من المياه، فإن ذلك يعني زيادة الخلاف، وربما إثارة الصراع، وسيكون هذا الخطر شديدًا، بشكل خاص، في المناطق التي ينخفض فيها هطول المطر، كما هو حال معظم الدول العربية المعتمدة على الأنهار كمصدر رئيس للمياه (نهرا دجلة والفرات، ونهر النيل، ونهر الأردن) لتلبية حاجاتها الأساسية.
لفت انتباهي ما اقترحه المصرفي العربي الدولي رشاد الشوا، بإطلاقه فكرة إنشاء بنك دولي متخصص لتمويل قطاع المياه دوليًا، بسبب توقعاته المخاطر المستقبلية، وضعف القدرة الذاتية العربية في توفير الأمن المائي لشعوبها، بسبب تواضع الاستثمارات العربية، وامتناع البنوك التجارية عن تمويلها، فأطلق فكرة إنشاء بنك دولي متخصص لتمويل قطاع المياه دوليًا، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط. وتلقف البنك الدولي، والمجلس العالمي للمياه الفكرة، وصارت دولية، بعد تقديمها لمجموعة البنك الدولي في واشنطن، الذي قام بدعمها، لأهميتها الكبرى للعالم ولأهداف التنمية المستدامة. وكانت حصيلتها تأسيس (بنك دولي للمياه)، وكذلك تأسيس الهيئة العليا للمياه، نتيجة مبادرة البنك الدولية برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البنك الدولي، واتخاذ هولندا مقرًا وراعيًا لها. المهمة الرئيسة لهذا البنك الإسهام في تقديم الحلول والتمويل لتوفير المياه للدول المحتاجة وكيفية العمل على تكريس إدارة حكيمة لمصادر المياه على المستوى الدولي.
من هنا برزت الحاجة لإنشاء بنوك للمياه، من خلال خلق شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص على المستوى الدولي، للتمويل والاستثمار في أهم قطاع للحياة والبقاء والتنمية المستدامة على مستوى العالم.
وتعد هذه البنوك من المشروعات المستقبلية المهمة والطموحة، علمًا أن محيطنا العربي، ومن ضمنه العراق، بحاجة الى مثل هذ ا المشروع، إذ تعاني منطقتنا من شح المياه ونقص مصادرها، رغم امتلاكها مصادر مالية كبيرة. من هنا تبرز الأهمية الكبيرة لإنشاء هذه البنوك.


