اقتصادنا المحاصر

اقتصادنا المحاصر
يعاني الاقتصاد العراقي من حصار داخلي سببه الريعية النفطية وسوء إدارة الثروات، ما أدى إلى تراجع الدور الإقليمي. الخروج من الأزمة يتطلب تنويع الدخل، وبناء اقتصاد منتج، وإرادة سياسية إصلاحية تتجاوز الحسابات الانتخابية...

يعيش الاقتصاد العراقي اليوم أسيرَ مفارقة واضحة: فعلى الرغم من أنّ العالم يشهد تحوّلات عميقة في المفاهيم والقيم وآليات التعاملات الاقتصادية الإقليمية والدولية، ما زلنا ندور في حلقة الجمود ذاتها ونرتكز على ريعية النفط بوصفها المصدر شبه الأوحد للدخل. ولأنّ الطاقة أصبحت محور الصراع الدولي على النفوذ والهيمنة، فإن الاقتصادات الريعية باتت أكثر عرضة للاهتزاز والضغط.

لا خلاف على أنّ معيار ثراء الدول يقاس بكمية ما تملكه من ثروات طبيعية وبشرية.

والعراق، وفق المقاسات العالمية، يُعدّ من أغنى دول العالم ويحتل مراتب متقدمة في تصنيفات الثراء. لكن السؤال الجوهري:

هل يرتقي العراق فعلاً إلى مستوى هذا التصنيف؟

الجواب ربما: لا.

فالثراء الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك الثروات، بل بحسن إدارتها. وما تزال ثروات العراق مبعثرة بين سوء إدارة وفساد وتعطيل لموارد كان يمكن أن تضع البلد في مصاف الدول الصاعدة، على أقل تقدير كما نرى في محيطه العربي والإقليمي.

إنّ الدول التي تُحسن استثمار مواردها، لا سيما في الخليج العربي، تقدّمت بثقة نحو مواقع مؤثرة في النظامين الاقتصادي والسياسي الدوليين. ولعل السعودية مثال بارز على دولة عملت وفق رؤية واضحة جعلت العالم يتعامل معها بوصفها قوة ذات ثقل وهي الآن من بين بلدان G20 القوية، بغضّ النظر عن الجدل الذي يُثار هنا أو هناك.

ولا يعيب العراق الاعتراف بالأخطاء، فالمعيب هو الإصرار على تكرارها. فقد كان العراق، منذ تأسيس دولته الحديثة، مركزاً للتأثير والاستقطاب في المنطقة، واستمدّ قوته من شبكة مصالح متبادلة مع العالم. لكنّ هذه المكانة تراجعت لأنّ اقتصادنا أصبح محاصراً من الداخل نتيجة سوء إدارة ثرواته، ووقوعه في أسر سياسة تعتمد على تصدير النفط وتوزيع عوائده عبر موازنات استهلاكية خاملة لا ترقى لمكانة البلد ولا لإمكانات شعبه.

إنّ المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون منعطفاً حقيقياً في التفكير الاقتصادي ولاسيما بعد اطلاق رؤية العراق 2050 نحو التنمية والمستقبل، قوامها فكّ عقدة الحصار الداخلي عبر الانتقال من اقتصاد ريعي إلى منتج، وهذا يتطلب من الحكومة المقبلة رسم سياسات اقتصادية متينة تعمل على تنويع مصادر الدخل إلى حدّ يصبح فيه النفط مورداً ثانوياً، لا محوراً وحيداً للدولة.

ويستوجب ذلك استثمار الإيرادات النفطية في تحفيز القطاعات الحقيقية: الصناعة، الزراعة، السياحة، التكنولوجيا، والخدمات الإنتاجية والرقمية، مع الاستعانة الجادّة بخبرات الاقتصاديين والأكاديميين الذين طال تهميشهم برغم الحاجة الملحّة لرؤاهم في رسم خريطة إنقاذ لاقتصادنا المحاصر بنفسه . وللإنصاف، فقد خطت الحكومة المنتهية ولايتها خطوات أولية مهمّة في بناء بعض البنى التحتية الأساسية ورسم رؤية استراتيجية للشراكة مع القطاع الخاص، تمهّد لمسار تنموي أكثر نضجاً. غير أنّ النجاح يتطلب إرادة سياسية صلبة وقرارات إصلاحية جريئة حتى إن تعارضت مع الحسابات الانتخابية، لأن تلك الحسابات كانت ولا تزال أحد أسباب تراجع العراق عن مواكبة التطور العالمي، وعن احتلال موقعه الطبيعي بين الدول المؤثرة.

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *