تعني التكلفة الغارقة في هذا المقال المبالغ الاضافية التي يدفعها الفرد سواء حَصلَ على الخدمة أو لم يحصل. الكلام كثيرعن الفساد الحكومي حتى اصبح الانسان العراقي يشعر بالملل عند الحديث عن طرق معالجة الفساد نظرًا لتكامل دائرة الفساد وغياب دور القضاء والادعاء العام. فلماذا اصابنا الملل عن متابعة موضوعة الفساد والرشوة وما هي التكاليف الغارقة التي لاتظهر في وصولات الخدمات الحكومية أو الرسوم الاضافية المخفية التي يدفعها المواطن وخاصة من الطبقة المتوسطة والفقيرة، فهو مجبر ليدفع نقدًا اضافيًا لتغطية تكلفة الرشاوى وفي الوقت نفسه يدفع فاتورة اخرى في ضياع الوقت والكرامة المجروحة والفرصة الضائعة.
عند الذهاب إلى مستشفى حكومي تظهر التكلفة الحقيقية للرعاية الصحية”المجانية”.ستكون المستشفى ممتلئة بالمراجعين الأمهات والاطفال وكبار السن يجلسون على الأرض. من هنا تتكون التكلفة الغارقة فالجميع عليه الانتظار لساعات في بيئة غير نظيفة، مع توقع هادئ للحصول على “بخشيش”، وهي كلمة مهذبة للرشوة، لتسريع العملية. وبعد فحص الطبيب سيكون الدواء غير متوفر في المستشفى فهنا ستكون فاتورة أخرى تدفع في صيدلية خاصة .أن زيارة المستشفى “المجاني” لا معنى لها إذا غادرت دون أي دواء .أن إهمال معالجة ظاهرة الفساد الحكومي أدى إلى أن يصبح ذلك ليس خللًا في النظام، بل هو النظام نفسه. فان الوقت الذي يضيع في الانتظار ومراجعة المعاملات في الدوائر الحكومية للمراجع الذي يكسب رزقه اليومي سيؤدي إلى خسارة دخله والزبائن. اما اذا كان المراجع طالب مدرسة إنه سيفقد فرصة الدراسة والتعلم والحلم بما يتجاوز ذلك. هذه تكاليف خفية، ما يطلق عليه الاقتصاديون “التكلفة الغارقة” أو “تكاليف الفرصة البديلة” التي تدفع سواء اكتملت الخدمة أم لم تكتمل لكنها حقيقية للغاية بالنسبة للمواطن وخاصة الطبقة الوسطى والفقراء منهم.
هناك أيضًا ضريبة إذلال في العديد من الوحدات الحكومية حيث لا يعامل المواطن كزبون بل للإزعاج. يُوبَّخ المرضى على “إزعاج” الممرضات. ويُقال للآباء إنه لا توجد مقاعد أو اسرة لأطفالهم المرضى إلا إذا دفعوا بعض النقود للمسؤول المختص. وهذه هي المفارقة المريرة فالخدمة “المجانية” غالبًا ما تكون بالكاد تساوي تكلفتها. وعندما تنهار خدمات المستشفيات الحكومية يلجأون إلى القطاع الخاص.
المدارس الحكومية تعاني من غياب المعلمين وقلة معرفتهم، وتعطّل دورات المياه، واكتظاظ الفصول الدراسية حيث يتشارك بين 40-50 طفلاً سبورة واحدة والأطفال يجلسون كل اربعة على رحلات تتسع لاثنين فقط وفي بعض المدارس لا توجد رحلات. اذن التعليم “المجاني” لا يعني الكثير إذا غادر اولادنا وهم غير قادرين على القراءة والكتابة. عندما تفشل المدارس الحكومية تذهب العوائل الى المدرسين الخصوصيين…الطبقة الوسطى والفقراء وحدهم هم من يقعون في فخ احتكار الخدمات “المجانية” والاحتكارات بطبيعتها تُولّد الرضا عن الذات. عندما تكون الدولة هي المزود الوحيد، لا يوجد حافز يُذكر لتحسين الخيار المتاح للناس؟ يمكنهم الشكوى ولكن عليهم تحمل فهلوة المدير بكتابة عبارات عامة على طلب صاحب الشكوى ويعود بها المواطن الى الموظف نفسه ولا يزال عليهم الاصطفاف وتحمل الاهانة بدون حل للمشكله.
ان تنمر الموظفين وخاصة عندما تكون في المراحل الأولى من انجاز المعاملات تمر عبر اجراءاتهم وعلى سبيل المثال موظفي الاضابير الذين بسبب مطالبتهم المراجعين بالرشاوى عملوا على تخفيض أيام عملهم في الاسبوع لمدة يومين فقط حتى يسأل المواطن عنهم في الايام الاخرى عند ذاك تبدأ المماطلة حتى يعرف المراجع قيمة الرشاوى التي عليه دفعها لتحريك ملفه، تصور في دائرة التقاعد لموظفي الاضابير سكرتير في باب الممر ينظم امور الرشوة لموظف الاضابير وعندما يتصل بهذا الموظف بالهاتف لأنه غير مسموح للمرجع ان يذهب إليه مباشرة ويأتي هذا الموظف بهندامه الذي يتجاوز هندام المدير العام لمقابلة المراجع فإن أول كلام يسمعه للمراجع اهانة كرامته…. باللغة الدارجة (يأخذ بوشه).
ولهذا السبب، في جميع أنحاء العراق تتخذ الطبقة الوسطى وأفقر الأسر خيارًا يبدو غريبًا حيث يدفعون ثمن خدمات خاصة يمكنهم الحصول عليها مجانًا عمليًا، ويجد الآباء وكثير منهم يعيشون تحت خط الفقر طريقة للدفع . تكافح الأسر لجمع المال لمراجعة الاطباء في العيادات الخاصة لأنها تفضل دفع رسوم والفحص في غضون ساعة على قضاء يوم كامل في انتظار طبيب حكومي قد لا يصل أبدًا .هذه ليست ترفًا إنها أعمال للبقاء على قيد الحياة وإحباط لا ينتهي ومستقبل ضائع.عندما يدفع العراقي ضعف فاتورة الكهرباء لاصحاب المولدات ويتحمل تكلفة إضافية قدرتها دراسة لمنظمة الامم المتحدة 4 مليار دولار سنويا يدفعها العراقيون عن خدمة المولدات المحلية هذا هو الظلم الخفي للخدمات الحكومية إنها تعدهم بالعدالة، لكن فسادها تُوقع الفئات الأكثر ضعفًا في الفخ، وتحاصرهم في أنظمة لا يتسامح معها أحد. إذا كنا نهتم بالإنصاف، الحل ليس في ضخ المزيد من الأموال في تلك الأنظمة، بل في منح الناس خيارات حقيقية. قد يعني ذلك دعمًا يُمكّن العائلات من الاختيار بين العيادات العامة والخاصة،عندما تنفق العوائل على اكمال تعليم طفلها لدى التدريس الخصوصي، فهي لا ترفض خيارًا مجانيًا، بل ترفض التكاليف الخفية لذلك” ضياع الوقت وقلة المعرفة”. ما لا ينبغي أن يعنيه ذلك هو إجبار الناس على تحمّل الفصول الدراسية الفارغة والطوابير الطويلة والإذلال المُبطّن لمجرد أنها “مجانية. من جهة اخرى يولد الطفل البريء العراقي وهو يتحمل حصته من القروض الحكومية التي لاتنفق للاستثمار بل لتغطية تكاليف العجز في الموازنة التشغيلية والفساد والبالغة حوالي 3200 دولار للفرد العراقي.
أما الأثرياء من الفساد فهم معزولون عن هذا فهم يدفعون تكاليف المدارس والعيادات الخاصة متخطين الطوابير والإهانات، لا يواجه الأثرياء من الفساد الحكومي هذه التنازلات إذ يمكنهم الانسحاب تمامًا من الخدمات الحكومية.
عبارة “خدمة عامة مجانية” مُغرية. فهي تُوحي بالكرم والإنصاف والخير المُشترك لكن بالنسبة للطبقة الوسطى والفقراء، غالبًا ما تعني “المجانية” شيئًا مختلفًا تمامًا: ساعات ضائعة، وكرامة مُنتزعة، وفرص مُغلقة. اسأل أي مواطن عراقي من هذه الطبقة وسيُخبرك أنهم لا يريدون المزيد من الأشياء المجانية. إنهم يريدون أشياءً فعّالة يريدون حرية الاختيار يريدون كرامة أن يُعاملوا مثل الزبائن لا كعبء وبدون المطالبة بدفع الرشوة.


