
مشهد إقليمي مغطّى بالضباب السياسي
يعيش الشرق الأوسط حالة ضبابية متصاعدة، وغموضاً عميقاً يلف المشهد الإقليمي في ظل التغيرات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران وخصومها.
فالسياسة الأمريكية تبدو وكأنها تعيد رسم خطوط التوازن في المنطقة بطريقة غير مستقرة، تتحرك وفق مصالح متغيرة وليست ثابتة، ما يفتح الأبواب أمام احتمالات متناقضة ومتداخلة.
هذا الضباب السياسي لا يقتصر على العواصم المتصارعة، بل ينعكس أيضاً على مستوى الشعوب التي تتابع ما يجري دون أن تجد جواباً واضحاً عن الوجهة القادمة للمنطقة.
واشنطن… رسائل مزدوجة بين الردع والمرونة
فالرسائل الصادرة من واشنطن تحمل مزيجاً من الردع والمرونة في آن واحد، ما يجعل دول المنطقة عاجزة عن قراءة الاتجاه النهائي لهذه التحولات.
فتارةً تتحدث الإدارة الأمريكية بلغة التهديد لإيران وأذرعها، وتارة أخرى تفتح قنوات تفاوض غير مباشرة، وكأنها تستخدم سياسة “العصا والجزرة” بطريقة محسوبة لإبقاء الجميع تحت الضغط.
وهذه الإستراتيجية المتذبذبة تجعل قرارات الفاعلين الإقليميين مرتبكة، وتزيد انعدام الثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين.
إيران… براغماتية ثابتة تزيد المشهد تعقيداً
في المقابل، تستمر إيران بتثبيت نفوذها الإقليمي عبر أدواتها السياسية والعسكرية، مستندة إلى شبكة واسعة من الحلفاء والميليشيات التي تمنحها قوة تحرك خارج حدودها.
وتتعامل طهران مع الضغوط الأمريكية ببراغماتية عالية، فهي لا تندفع نحو التصعيد الكامل، ولا تتراجع إلى حد الانهيار، بل تحافظ على منطقة مناورة دقيقة تعزز بها موقعها دون دفع ثمن كبير.
هذا السلوك الإيراني يجعل المشهد أكثر تعقيداً، لأنه يربك حسابات كل من ينتظر انهياراً سريعاً أو تراجعاً واضحاً في نفوذها.
خصوم إيران… بين الحليف المضطرب والخشية من الخذلان
أما خصوم إيران، فهم يجدون أنفسهم في وضع لا يقل صعوبة.
فهم من جهة بحاجة إلى التحالف مع واشنطن لضمان توازن القوى في المنطقة، ومن جهة أخرى يخشون تغيّر الموقف الأمريكي المفاجئ في أي لحظة، ما يدفعهم للتحرك بحذر شديد.
نتيجة لذلك، أصبحت سياسات هذه الدول أكثر ارتباكاً، تتأرجح بين المواجهة والتهدئة، وبين توسيع النفوذ والاحتفاظ بالحد الأدنى من الاستقرار، خشية الانزلاق نحو صراع غير محسوب.
توترات متصاعدة بلا مسار للحل
ومع هذا التشابك، تتصاعد التوترات في أكثر من ساحة—من العراق واليمن إلى سوريا ولبنان—لتتأرجح المنطقة بين تهدئة مؤقتة وتصعيد محتمل في أي لحظة.
ولا يوجد حتى الآن مسار واضح للحل، بل سلسلة من التفاهمات الهشة التي تنهار عند كل اختبار جديد.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى الشارع السياسي والإعلامي في حالة انتظار، مترقباً إشارة واحدة قد تعيد ترتيب الأوراق أو تفجّر مواجهة واسعة تجر المنطقة كلها إلى دائرة الصراع.
الشرق الأوسط في المساحة الرمادية
وهكذا يبقى الشرق الأوسط معلَّقاً في مساحة رمادية واسعة، تسيطر عليها حسابات القوى الكبرى وتوازنات الصراع الخفية التي تتحكم بمستقبل المنطقة بالكامل.
هذه المساحة الرمادية لا تمنح أحداً القدرة على رؤية نهاية واضحة للغموض المتراكم، بل تبقي الجميع في انتظار اللحظة التي قد تُنهي حالة الضباب أو تزيد كثافته.
العراق… موقع حساس داخل خارطة التحولات
فالعراق أصبح جزءاً أساسياً من “خريطة ترامب” السابقة، والتي لا تزال بعض آثارها تتحكم بالمشهد رغم تغيّر الإدارات.
وما لم يتم إصلاح هذه الخريطة من قبل الساسة، فقد يجد العراق نفسه خارج الواجهة التي ترغب بها الولايات المتحدة.
إذ إن واشنطن تريد عراقاً مستقراً خالياً من تأثير الأحزاب وأذرع إيران التي باتت تهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وفق القراءة الأمريكية على الأقل.
بين الإصلاح والضغوط… هل تستطيع بغداد إعادة رسم موقعها؟
ويبقى السؤال قائماً: هل تستطيع الحكومة العراقية السيطرة على المشهد وإصلاح الخريطة السياسية والأمنية؟ أم أن هناك كلاماً آخر يلوّح به البعض؟
فإيران والعراق أصبحا—وفق تشبيه سياسي متداول—“رئة واحدة”، ومن الصعب استئصال أحدهما دون أن يتأثر الآخر.
لذلك يحتاج العراق إلى خريطة جديدة توافقية، تحفظ توازنه الداخلي، وتبعد الحرب عن المنطقة، وتضمن للبلاد موقعاً مستقراً داخل مشهد شرق أوسطي شديد الاضطراب.


