في عالمٍ يتسارع فيه تدفق المعلومات، ويزداد فيه وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف، تبدو بعض المنابر الإعلامية وكأنها لم تستوعب بعد أن الجمهور لم يعد ذلك المتلقي المستسلم أو المحايد الساذج. والعجيب أن أكثر ما يلفت النظر هو ما يتعلق بالشأن الإيراني، حيث تكاد لا تجد شعباً إلا وله رأي أو متابعة أو موقف، سواء كان مناصراً يفرح بما يُحسب لإيران، أو معادياً مبتهجاً بكل ما يُحسب عليها، أو واقفاً على الحياد يراقب بحذر ويحاول فهم الضجيج بين الطرفين.
هذه الحالة الكونية من الاهتمام بإيران، مهما اختلفت مقاصد الأطراف، فرضت مستوى أعلى من النقاش والتحليل. لكن وسط هذا الحراك، يبرز خلل واضح في بعض وسائل الإعلام المعادية لإيران؛ خلل لا يتعلق بالمعلومة فحسب، بل باحترام المتلقّي.
الوصاية تهدد وعي الجمهور
فهذا الإعلام يتعامل مع جمهوره بمنطق الوصاية، وكأن المتابع لا يستطيع أن يفرّق بين التضليل والحقيقة. يكرر الصور نفسها، ويعيد إنتاج القصص ذاتها، ويبني خطاباً يريد للقارئ أن يبتلع كل شيء دون أن يسأل أو يحلل أو يشك. إنه خطاب يؤكد من حيث لا يشعر بأن جمهوره مغفل، وأن وظيفته صناعة السذاجة قبل صناعة الخبر.
وبدل أن يساهم في تشكيل وعي نقدي واعٍ، يتحول هذا النوع من الإعلام إلى مصنع للسفاهة. يستثمر في المبالغات، يبحث عن الإثارة الرخيصة، يشوه المعطيات، ويحرص على أن تكون ردود الفعل عاطفية قبل أن تكون عقلية. وهنا تكمن المشكلة الكبرى: فالإعلام حين يفقد احترامه لجمهوره، يفقد آخر مبررات وجوده.
إن المتلقي اليوم أكثر نضجاً مما يتخيل أصحاب الخطاب الأحادي. يتجول بين المصادر، يستمع للصوت المقابل، يقارن، ويميز بين ما هو حقيقة واقعة وما هو تهويل مبرمج. ولذلك، لم يعد من السهل أن يصدق رواية واحدة أو يعيش داخل قالب واحد مهما حاولوا تضييق خياراته.
التحديات المعاصرة للمتلقي الواعي
الاحترام في الإعلام لا يُمنح للجمهور بالكلمات، بل بالممارسة: بالمعلومة الدقيقة، بالتحليل المتزن، بالاعتراف بالخطأ، وبفتح الباب أمام الرأي المخالف. أما الإعلام الذي يبني نجاحه على احتقار جمهوره، فإنه لا يضر خصومه بقدر ما يضر نفسه، لأنه يخلق حوله دائرة مغلقة من الانغلاق والضحالة، سرعان ما تنكشف أمام أول مواجهة مع الحقيقة.
وفي النهاية، يبقى الواقع أقوى من كل سرديات العداء. الشعوب التي تتابع الشأن الإيراني … سواء بإعجاب أو تحفظ أو نقد … لا تحتاج إلى إعلام يملي عليها ما تفكر به، بل إلى إعلام يحترم عقلها وحقها في رؤية الصورة كاملة.
أما الخطاب القائم على الوصاية والاستخفاف، فهو خطاب محكوم عليه بأن يفقد جمهوره، مهما حاول أن يصنع له وهماً بأنه مجرد أداة تتلقى ولا تعترض.


