الوقائع العراقية ليست وقائع

الوقائع العراقية ليست وقائع
يُبرز التحليل خللًا مؤسسياً خطيراً كشفه نشر جريدة الوقائع لقائمة الإرهاب ثم تعديلها سريعاً، ما يعكس هشاشة التشريع وتأثير القوى غير الرسمية، ويظهر عمق أزمة الإسلاميين وتعقيدات إدارتهم للسلطة في المشهد العراقي....

“إنّ الرياضيات علم لا يدري المرء فيه مطلقاً عمّا يتكلّم أو إذا كان ما يقوله حقاً”… برتراند رسل.
وهكذا يبدو المشهد في العراق اليوم؛ صورة سياسية أقرب إلى معادلة غير قابلة للحلّ، مكوّنة من طبقات متشابكة من الغموض والتناقض، حتى إنّك لا تدري من أين تبدأ أو إلى أين تنتهي. صار توصيف السياسة أشبه بمحاولة تفسير مفهوم رياضي مجرد، بينما الواقع العراقي يزداد التباساً وتشويشاً، وتغدو قراءته فعلاً شِبهَ مستحيل في ظلّ شبكة معقدة من التحالفات والمصالح والضغوط المتنافرة.

أخطاء التشريع العراقي المتكررة

جريدة الوقائع العراقية، الصادرة عن وزارة العدل، هي الوثيقة الرسمية الأعلى في سلم التشريع، وفيها تُنشر القوانين والقرارات النهائية التي تستكمل جميع مراحل المداولة والتصويت والإقرار. وما إن يصل نصّ قانوني إلى صفحات الوقائع حتى يصبح نافذاً بحكم النشر، ويكتسب الدرجة القطعية من دون حاجة إلى أي إجراء إضافي. ولهذا السبب، كانت الجملة الشهيرة المتكررة في معظم القوانين: “يصبح نافذاً من تاريخ نشره في جريدة الوقائع.”

ومع ذلك، جاءت الصدمة حين نشرت الجريدة قانوناً تضمّن إدراج “حزب الله اللبناني” و”جماعة الحوثي” ضمن لائحة الإرهاب، وهو أمر يمسّ بصورة مباشرة مكونات سياسية نافذة داخل العراق، تُعدّ داعماً أساسياً لهذه الجماعات، بل وتصنّف مجرد الاقتراب من تسميتها أو نقدها كـ “خط أحمر” لدى السلطة والجماعات المسلحة على حدّ سواء.

بعد ساعة واحدة فقط من نشر القانون، سارعت جريدة الوقائع إلى إصدار بيان توضيحي يفيد بأن ما حدث “خطأ فني”، وأنها بصدد تنقيح العدد وحذف الاسمين. العدد 4848 من الجريدة تضمّن القانون رقم 61 لسنة 2025 المتعلق بتجميد أموال الجماعات الإرهابية، والذي أدرج 24 كياناً إرهابياً من بينها القاعدة وداعش، لكن وجود اسمَي حزب الله والحوثيين في النصّ كان كافياً ليُحدث ارتباكاً رسمياً واسعاً.

اللوم أُلقي على “خطأ في الإدراج”، لكن حجم الجدل كشف أن الأمر ليس مجرد هفوة مطبعية، بل مؤشر على خلل مؤسساتي أعمق. هنا يمكن القول بثقة إن الإسلاميين، الذين يملكون نفوذاً واسعاً في الدولة، قد سخّفوا كل شيء بما في ذلك المنظومة التشريعية ذاتها، حين أصبح تصحيح النصوص القانونية يجري تحت ضغط سياسي مباشر لا عبر قنوات مراجعة قانونية مؤسسية.

أزمة الإسلاميين المعقدة

القضية لا يمكن تفسيرها بأنها “خطأ” تقني بسيط؛ فجريدة الوقائع تمثل المرحلة الأخيرة في سلسلة معقدة من النقاشات التشريعية الطويلة التي تمر عبر البرلمان، واللجان القانونية، وديوان رئاسة الوزراء، ثم وزارة العدل. وعليه، فإن تبرير ما حصل بوصفه خطأ عابر يُعدّ في حد ذاته تبسيطاً شديداً وتغطية على أزمة أعمق.

الإسلاميون، بوصفهم المكوّن الأكثر تأثيراً في السلطة، يمرّون بما يبدو أنه أزمة مركبة مستمرة؛ أزمة تتجلى في مظاهر متعددة:

  • تضييق على المعارضين والناشطين عبر الاعتقالات والدعاوى الكيدية.
  • تصاعد العمليات المسلحة غير المنضبطة مثل قصف حقل كورمور.
  • الانسداد السياسي وتذبذب المواقف، وصولاً إلى انسحاب التيار الصدري من المشهد البرلماني.
  • العجز عن استقرار حكومي حقيقي رغم امتلاك الأغلبية السياسية.

هذه الظواهر جميعها ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في سلسلة أزمة تصيب التيارات الإسلامية نفسها، أزمة تتعلق بفشل التوفيق بين منطق السلطة ومنطق المجتمع، وبين مقتضيات الدولة الحديثة ومتطلبات القوى غير الرسمية المسلحة.

ولذلك، فإن “خطأ الوقائع” ليس خطأً إدارياً، بل رسالة واضحة عن هشاشة الدولة وعن مدى قدرة الفاعلين غير الرسميين على التأثير في جوهر العملية التشريعية. إنّ اهتزاز الوثيقة الرسمية التي يُفترض أن تحمل أعلى درجات الصرامة القانونية، يكشف مقدار التفكك الذي أصاب المؤسسات.

وقد يصحّ ما يُنسب إلى فيتجنشتاين: “ما لا نستطيع أن نتحدث عنه، يجب تركه.”
فالإسلاميون في العراق باتوا ظاهرة يصعب تحليلها، لا لأنهم معقدون فحسب، بل لأن سلوكهم السياسي أصبح متناقضاً إلى حدّ يتجاوز قدرة الفهم التقليدي. وقد صار التعامل معهم يشبه مراقبة حركة غير منتظمة، قافزة، مبعثرة، تتغير بتغير اللحظة لا بتغير الرؤية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *