يمر العراق بمرحلة مفصلية تستدعي إعادة النظر في كثير من الإجراءات الإدارية التي أثقلت المواطن وأعاقت حركة الاقتصاد لسنوات طويلة. ويأتي شرط الكفيل في مقدمة هذه المتطلبات التي لم تعد ملائمة لطبيعة الدولة الحديثة ولا لاحتياجات المجتمع، خصوصاً في ظل وجود منظومة البطاقة الوطنية الموحّدة التي تمثل اليوم أداة تعريف متقدمة وموثوقة بمعايير عالمية.
تحديثات إدارية عراقية ملحّة
فالهوية الوطنية الحالية لم تعد مجرد ورقة رسمية، بل أصبحت قاعدة بيانات متكاملة تعتمد بصمات الأصابع وبصمة العين والصورة المتطورة، ما يجعلها وسيلة تثبت شخصية المواطن بدقة تفوق أي إجراء آخر. وفي ضوء هذا التطور التقني، يصبح الإصرار على مطالبة المواطن بكفيل نوعاً من التكرار غير المبرر لإجراءات أثبتت التجربة أنها تستهلك وقتاً وجهداً وتخلق عبئاً اجتماعياً واقتصادياً دون فائدة حقيقية.
إن ما يحتاجه الاقتصاد العراقي اليوم ليس المزيد من القيود، بل تحرير حركة المواطن وتسهيل حصوله على الخدمات المالية والتجارية والإدارية. فوجود كفيل لا يقدم ضماناً فعلياً، لأن الدولة هي الجهة الوحيدة القادرة على فرض الالتزامات ومتابعة الحقوق ومعالجة أي إخلال، بينما تتحول عملية طلب الكفيل إلى حاجز يقف في طريق الشباب وأصحاب المشاريع ويحد من توسع النشاط الاقتصادي ويضعف الثقة بين المواطن والمؤسسة.
فعالية الهوية الوطنية الحديثة
إن الاعتماد الكامل على البطاقة الوطنية سيمنح التعاملات طابعاً أكثر شفافية وتوثيقاً، فالمعلومات البيومترية التي تحملها البطاقة تمثل ضمانة لا يمكن التلاعب بها، وتوفّر للدولة القدرة على إدارة المعلومات والالتزامات بطريقة أكثر دقة وحداثة. كما أن إلغاء شرط الكفيل سيقلل من التعقيدات الورقية، ويوفر على المواطنين والمصالح الحكومية وقتاً وجهداً كبيرين، ويعزز مسار التحول الرقمي الذي تتجه إليه الدولة.
إن التخلص من شرط الكفيل يمثل لحظة اختبار لقدرة الدولة العراقية على الانتقال نحو إدارة أكثر احترافية تقوم على البيانات لا على العلاقات الشخصية.ويعكس هذا التغيير اتجاهاً عالمياً نحو تبسيط الإجراءات عبر الاعتماد على هوية رقمية موحّدة.كما يمنح المؤسسات فرصة لتقييم مخاطر التعاملات بطريقة تقنية دقيقة تقلل الهدر وتحد من البيروقراطية.وسيؤدي هذا التحول إلى تعزيز ثقة المستثمرين عبر نظام إداري أكثر انضباطاً وشفافية.كما يضع العراق على مسار الدول التي تجاوزت النماذج التقليدية في إدارة الموارد البشرية.ويمهّد لبنية مؤسسية قادرة على استيعاب التحول الرقمي الكامل خلال السنوات المقبلة.
ولا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي لهذا التغيير. فالمواطن يشعر بثقته بهويته عندما يعرف أنه يُعامل على أساس بياناته الرسمية وحدها، لا على أساس علاقة شخصية أو ضغوط اجتماعية لإيجاد شخص يوافق على كفالته. إن بناء علاقة جديدة بين المواطن والدولة يجب أن يستند إلى احترام المواطن لحقوقه وواجباته، وإلى قدرة مؤسسات الدولة على إدارة شؤون المواطنين بكفاءة تليق بإمكاناتها.
لقد أصبح من الضروري اتخاذ خطوة جريئة تنسجم مع هذه المرحلة. فاعتماد البطاقة الوطنية في جميع التعاملات وإلغاء الكفيل ليس مجرد تعديل إداري، بل هو إصلاح بنيوي يفتح الباب أمام دولة أكثر حداثة واقتصاد أكثر مرونة وتعاملات أكثر شفافية. وهذا التوجه لا يمثل خياراً إضافياً، بل هو استحقاق يفرضه الواقع وطبيعة التطور التقني الذي وصلت إليه الدولة، وفرصة حقيقية لتسهيل حياة المواطنين وتعزيز ثقتهم بمؤسساتهم.


