تمهيد
حين تُكتب قرارات الزعماء في لحظات العسر، لا تُقاس قيمتها بميزان المعاصرة، بل بميزان الخلود. إن صلح الإمام الحسن بن علي ليس حدثًا عابرًا في رزنامة الصراع الإسلامي على السلطة، بل هو تأسيس نظري وعملي لفقه الشرعية السياسية عندما تتزاحم المصالح وتتصدّع القواعد، فيغدو حفظ المشروع أَولى من حفظ الحكم نفسه. لقد أدرك الحسن أن الشرعية قد تُحمى خارج منصة السلطان، وأن الدم إذا سال من أيدي أتباع الحق جميعًا، مات الحق ذاته بموت شهوده، فيتحوّل التاريخ إلى شاهدٍ بلا مشهود، وإلى قضيةٍ بلا رواة. هنا تتجلّى المعادلة الكبرى: السياسة ليست دائمًا من يحكم… بل من يُبقي حقّ الحُكم والاحتجاج معًا.
أولًا: التفكّك الداخلي في العراق وتماسك السلطة في الشام 1. الرواية السنيّة وتحليل الحدث يُعدّ «تاريخ الأمم والملوك» من أهم السجلات السنية التي عرضت الحدث في سياقه العسكري والسياسي. يشرح الطبري أن الكوفة خرجت للحرب بجيوشٍ كثيرة ولكن بقلوبٍ مختلفة، وأن قادتها كتبوا سرًا إلى معاوية يعرضون ولاءاتهم له، بل وتعاهد بعضهم على تسليم الإمام الحسن نفسه إن احتدمت المعركة.
1.في تاريخ الأمم والملوك لـ الطبري هذا الانقسام لم يكن عسكريًا فحسب، بل كان شرخًا نفسيًا داخل بنية الجيش، إذ الجيش الذي يَكثر فيه العدد وتقلّ فيه الطاعة الواحدة، يتحوّل من قوة مواجهة إلى عبءٍ على قيادته. وفي تفسير منطق القرار، يَذكر ابن كثير أن معاوية كان قد أحكم الشام بالطاعة المركزية، واستطاع أن يُنشئ دولةً متماسكةً لا تتقاذفها الانشقاقات، وأنه امتلك بيئةً مستقرةً جاهزةً لفرض السيطرة على العالم الإسلامي، بينما كان العراق يفتقد روح الوحدة الحربية والسياسية. ^2 — في «البداية والنهاية» لـ ابن كثير ومن هنا، تقرّ القراءة السنيّة بأن قرار الصلح كان إجراءً راجحًا لحفظ الجماعة ووقف الفتنة، لأنه لم يعد بالإمكان خوضُ معركةٍ لا يُؤمَن فيها الداخل قبل الخارج.
- الرواية الشيعيّة وقراءة الضرورة الأخلاقية لا يحتل الصلح في القراءة الشيعية نفس زاوية الرؤية السياسية عند السنّة؛ فهو ليس عقد إنهاء قتال بين متغالِبين فقط، بل هو قرارٌ من إمامٍ يَعرف أن الإمامة مقامٌ ربانيّ لا يتوقف على امتلاك السلطة الزمنية. يروي الشيخ المفيد أن العراق دخل الحرب باضطرابٍ في القاعدة، وتخاذلٍ في القيادات، وشراءٍ للولاءات، حتى بات استمرار القتال مساويًا لاندثار المشروع، فجاز الصلح ووجب بحكم دفع الضرر الأعظم.
- في الإرشاد لـ الشيخ المفيد كما يؤكّد الشريف المرتضى في تحليله العقائدي–الفقهي للحدث بأن: الإمامة لا تنتقل بالصلح، ولا تُسقِطها غَلَبة، وإنما الذي ينتقل هو إدارة السلطان… أما أصل الشرعية فثابتٌ لصاحب الحق وإن غاب الحاكم.
4.في الانتصار لـ الشريف المرتضى
ثانيًا: فلسفة الصلح — حين يُصبح السيف عبئًا على الحجة 1. الشرعية بين النصرة والقدرة من جوهر الفقه السياسي عند المسلمين عامة اشتراط القدرة الحقيقية في وجوب الحرب. فالقتال ليس غايةً مستقلة، بل وسيلةً ترتبط بتوفر الناصر المخلص والقوة غير المهدّدة للهلاك الشامل. وقد أسّس الشيخ الطوسي لهذا المنهج في فقهه عند الحديث عن شروط التكليف والقدرة ودرء الضرر.
- في منهج «تهذيب الأحكام» لـ الطوسي أما القراءة السنيّة للحدث، فهي تتقاطع فقهيًا وأخلاقيًا مع هذا الأصل، حتى لو اختلف المنبع العقدي، إذ تُقرأ المصالحة عندهم ضمن فقه «درء الفتنة وحفظ وحدة المسلمين»، وهو مقصدٌ شرعي واضح في تحليلهم. 2. قراءة المآل بدل قراءة اللحظة الحسن أدرك أن استعمال السيف مع انعدام وحدة الأنصار سيغدو هزيمة تاريخية تُقرأ “فشلاً في الإدارة” لا “قضية حق ضاعت لأن حاملها تُرك وحيدًا”. لذا حمى الإمام تأويل المستقبل بأن جعل الصلح عاريًا من غشاوة القتال، صريح العلة: لولا الصلح لضاع الحقُّ بانقراض حَمَلَته، ولَمات التاريخ بموت شهوده. إن السياسة هنا تحوّلت من منطق الغلبة إلى منطق الحُجّة، إذ يُبقي القائد
شرعية الاعتراض على الحكم، حين يعجز عن إقامة الحكم نفسه.
ثالثًا: لغويًا بين الهدنة والصلح — لماذا كان صلحًا لا هدنة؟
- الصلح لغةً الصلح في أصل اللغة العربية هو: رفع الخصومة وإصلاح ذات البين بعقدٍ مُلزِم لا بمدة مؤقّتة، وهو مفهومٌ شامل يفيد إنهاء النزاع لا تجميده.
- الهدنة لغةً أما الهدنة (المهادنة): فهي ترك القتال مؤقتًا مع بقاء نزاع الأصل قائمًا، وغالبًا ما تُستخدم في سياق العقود العسكرية المؤقّتة، وإن لم يشترط الجذر اللغوي التأقيت دائمًا. النتيجة اللغوية الموافقة للتاريخ: مدلول عسكري توقيع بزمن إنهاء القتال بنود ملزمة توصيف حالة الحسن هدنة غالبًا نعم لا نعم لا ينطبق صلح لا يشترط نعم نعم ينطبق بدقة ولأن عقد الحسن:
3.لم يُحدَّد بمدة زمنية 2. أنهى القتال بعقدٍ شامل 3. تضمّن بنودًا سياسية مُقَيِّدة للحكم لا مانحة لحق الإمامة فإن الأكثر دقة تاريخيًا ولغويًا وفقهيًا هو: الصلح، لا الهدنة المؤقتة.
رابعًا: الصلح عند أهل السنة — عقد إنهاء القتال لا عقد تفويض الإمامة يُقدّم ابن الأثير في سردٍ متقاطع مع الطبري أن الاتفاق كان موادعة ومصالحة أنهت القتال بلا توقيتٍ زمني، وهو ما يجعله — عندهم — صلحًا سياسيًا يهدف إلى وقف النزيف، لا هدنةً زمنية محددة.
في «الكامل في التاريخ» لـ ابن الأثير فالصلح عندهم مشروع سياسي راجح، لأن الشريعة تُجيز إنهاء النزاع عندما تتحقق مفسدة الحرب، ولا يَعنون به انتقال مقام الإمامة الديني.
خامسًا: الصلح في الفقه الإمامي — بقاء الإمامة خارج السلطة يُقدّم المجلسي في «بحار الأنوار» تحليل الروايات التي تَذكر الحدث ضمن فقه الضرورة والاستراتيجية الأخلاقية، وتؤكد أن: الإمام سلّم السلطان ولم يسلّم مقام الإمامة، ولا شرعية النصّ الإلهي.
في بحار الأنوار لـ المجلسي فالشرعية الدينية من رؤية الشيعة لا تُباع بالصلح ولا تُمنح بالسيف، لكن السلطة السياسية قد تُسلّم لتحفظ الجماعة.
سادسًا: إسقاط معاصر — كيف يستفيد السياسي العراقي من قرار الحسن؟ إن السياسة في العراق المعاصر تشبه في بعض وجوهها عراقَ الحسن: • ولاءات متشظية • سلاح خارج الدولة • مال سياسي يوجّه الولاءات • ثقة مهزوزة بالمؤسسات دروس استراتيجية صالحة للتطبيق:
1.الشرعية يُسقِطها الداخل قبل الخارج
- التسوية الوطنية ليست هزيمة إذا حفظت الدولة
- تحويل الولاء من الشخص إلى المؤسسة
4.تجريم المال السياسي الذي يشتري الضمائر
- الزمن أداة للبناء لا لتأجيل الصراع
6.الحاكم ليس المشروع… المشروع العراق نفسه.
توصيات عملية
✔ ترسيخ مفهوم المواطنة بدل مفهوم الغلبة
✔ حصر السلاح بالمؤسسة العسكرية الوطنية
✔ بناء تسويات وطنية ملزمة بقواعد دستورية
✔ استثمار الزمن في إعادة بناء الثقة بالمؤسسات
✔ تقديم المصالح الوطنية على مصالح الكتل السياسية
التوصية المركزية العراق اليوم بحاجة إلى صلح مؤسسي جامع ملزم يؤسّس للدولة لا هدنة بين غالِبين.
الخاتمة :
لقد أقام الإمام الحسن صلحَ ضرورةٍ أخلاقيةٍ سياسية، لا هدنة عسكرية مؤقتة، ولا تنازلًا عن مقام الشرعية الدينية. وعليه يمكن القول بمنطقٍ فصيحٍ صريحٍ جامعٍ بين الروايتين: الحسن خسر السلطة حين لم تعد القاعدة صالحة لحمايتها، لكنه رَبِح الشرعية حين أبقى للتاريخ ضميرًا يحاكم السلطة، وجيلًا جديدًا يحمل الفكرة ويثمرها في الزمن.
الهوامش
1.مفاصل الانقسام في جيش الكوفة: تاريخ الأمم والملوك – الطبري، ج5، ص160–163.
- مراسلات القادة وخطر تسليم الإمام نفسه: المصدر السابق، ص163.
3.تفسير الضرورة الأخلاقية وحفظ الجماعة: الإرشاد – الشيخ المفيد، ص289–302.
4.قاعدة بقاء الشرعية خارج انتقال السلطان: الانتصار – الشريف المرتضى، ص82.
- منهج فقه القدرة والتكليف ودفع الضرر: تهذيب الأحكام – الطوسي (منهج يُستفاد منه فقهيًا عند الإمامية).
- توصيف الحدث كمصالحة أنهت القتال بلا توقيت: الكامل في التاريخ – ابن الأثير، ج3، ص405–410.
7.تثبيت أن السلطة سُلّمت لا الإمامة: بحار الأنوار – المجلسي، ج44، ص1–50.


