اخفاق البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال في التعامل مع قرارات الخزانة الأميركية
بينما تواصل اللجنة الوطنية العليا عقد اجتماعاتها المتكررة “لبحث” قرار وزارة الخزانة الأميركية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا غائبًا عن البيانات الرسمية:
أين كان البنك المركزي العراقي؟ وأين كان مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؟
فالعقوبات الأميركية لم تهبط فجأة من السماء، والكيانات المشمولة لم تُعلن أسماؤها بين ليلة وضحاها. ومع ذلك، يبدو أن المؤسسات المسؤولة عن الانضباط المالي في العراق كانت آخر من يستيقظ على وقع القرارات… وربما ما زالت بالكاد تستوعب تداعياتها.
البنك المركزي… إدارة رد الفعل بدل إدارة المخاطر
البنك المركزي الذي يُفترض أن يقود الاستقرار المالي تحوّل إلى مؤسسة تتعامل مع الأحداث بعد وقوعها لا قبلها.
فمنذ سنوات والعراق يتلقى تحذيرات صريحة حول مسارات تمويلية غير منضبطة، ومخالفات مصرفية واضحة، وعمليات مشتبه بها.
ومع ذلك:
- لم تُعالج الثغرات الرقابية بعمق.
- لم تُفرض معايير صارمة على المصارف المعرّضة للمخاطر.
- لم يظهر أي برنامج وطني وقائي يمنع تكرار الأزمة.
وبدلًا من ذلك، اكتفى البنك المركزي بأسلوب “التطوير المتدرّج” الذي لا يناسب دولة تواجه نظامًا مصرفيًا يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية. وها نحن ندفع ثمن “الصمت الرقابي” والفجوات المستمرة. ما دمت موجود فلا عقوبات !
مكتب مكافحة غسل الأموال… حضور إداري بلا أثر فعلي
مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب هو المفترض أن يكون خط الدفاع الأول في مواجهة أي إجراءات دولية.
لكن نتائجه على الأرض لا تتناسب مع حجم صلاحياته. فالتحقيقية ضعيفة، والتقارير الرقابية متأخرة أو شكلية، والتعاون مع الهيئات الدولية يبدو أكثر بروتوكولياً منه عمليًا.
ولعل الأكثر سخرية أن المكتب كثيرًا ما يكرر الحديث عن “الالتزام بالمعايير الدولية”، في حين أن الإدراجات الأميركية تُظهر العكس تمامًا: ضعف في الرقابة، ضعف في تتبع حركة الأموال، وضعف في الإجراءات الاحترازية.
الأزمة ليست في المادة… بل في الإدارة
العقوبات بحد ذاتها ليست نهاية العالم. دول عديدة تعاملت معها بنجاح. لكن المشكلة في العراق أن المؤسسات المالية تتعامل مع الملف بعقلية “هيئة متابعة” لا “هيئة إدارة”. فالبنك المركزي ينتظر التقارير ليتحرك. والمكتب ينتظر الاجتماعات ليتكلم. واللجنة الوطنية تنتظر الطاولة لتصدر بيانًا جديدًا.
بينما ينبغي أن تكون السياسات المالية قائمة على:
- إدارة مخاطر استباقية
- مراقبة صارمة على المصارف
- قرارات فورية شفافة
- تعاون دولي حقيقي، لا شكلي
غياب التوازن… وغياب القرار
في ظل هذا الارتباك المؤسسي، يصبح الحديث عن “الحفاظ على متانة العلاقات المالية الدولية” مجرد عبارة إنشائية لا تعكس الواقع.
في ظل هذا الارتباك المؤسسي، يصبح الحديث عن “الحفاظ على متانة العلاقات المالية الدولية” مجرد عبارة إنشائية لا تعكس الواقع. فالعلاقات المالية لا تُبنى بالتصريحات بل بالإجراءات. ولا تُحترم بالاجتماعات بل بالانضباط المالي الحقيقي.
وحتى اللحظة، لم يظهر أي مؤشر على أن البنك المركزي أو مكتب مكافحة غسل الأموال يمتلكان خطة واضحة أو أدوات فعّالة للحد من التدهور.
إن التعامل غير المتزن مع قرارات الخزانة الأميركية كشف هشاشة المنظومة المالية العراقية، وأبرز إخفاقًا واضحًا لدى البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال في إدارة الأزمة.
وما لم تُبنَ سياسة مالية جادة، قائمة على الشفافية والتحرك الاستباقي، سيبقى العراق يواجه كل أزمة بالأسلوب ذاته:
اجتماعات تُعقد… وتصريحات تُنشر… وقرارات لا تُنفَّذ.


