عمار الحكيم – صلابة السياسة ومواقف الاعتدال : عن أمير الغال وأمير البنغال في العراق المقبل

عمار الحكيم – صلابة السياسة ومواقف الاعتدال : عن أمير الغال وأمير البنغال في العراق المقبل
يتناول التحليل تراجع نفوذ تيار الحكمة في العراق منذ 2009، وصراعه بين قبول منطق الديمقراطية والسعي لدور أكبر من وزنه الانتخابي، مبرزًا تأثير تنافسه مع القوى الشيعية الأخرى وحجم الانقسام السياسي على تشكيل الحكومات المتعاقبة...

العراق محكوم بالتدخل – الآفة التي استباحت العقل العراقي

– بلاد الغال :  كانت تطلق على فرنسا وبلجيكا جغرافيّاً، لكنه مصطلح استخدمته بريطانيا لإطلاقه على وليّ عرشها ” أمير الغال ” كناية عن التأثير الحاسم للتاج البريطاني والنفوذ التي تتمتع به في تلك البلاد (*1) حينما كانت بريطانيا إمبراطورية لاتغيب عنها الشمس .

ورغم ان تينك الدولتين – بلجيكا وفرنسا – قد تحررتا من النفوذ البريطاني منذ أمد بعيد , وان بريطانيا ذاتها قد تحولت الى بلد يدورفي فلك قوّة عظمى اسمها أمريكا ، وان التاج البريطاني أصبح مجرد رمز شكلي يملك ولايحكم ، بل وصل الأمر حدود تذمر البريطانيين من رواتب أفرادالأسرة المالكة وبذخهم ، الا ان لقب ” أمير الغال ” مازال يطلق على وليّ العهد البريطاني ، فيما اقتصرت ” الغال ” على إمارة صغيرة اسمها ويلز .

أما بلاد البنغال ، فهي المعروفة اليوم بإسم ” بنغلادش ” وكانت جزءاً من الهند ، التي اعتبرتْ في أزمنة سالفة ” درّة التاج البريطاني ” ، وبالتالي فحاكم الهند ورغم حصوله على لقب ” نائب الملك ” الا انه يبقى في مرتبة أدنى من ” أمير الغال ” باعتبار الأخير ملكاً مؤجلاً .

في العراق ، تراجع وبشكل واضح ، نفوذ بعض القوى السياسية بقيادتها الدينية كتيار الحكمة  ، الذي أظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة انه لم يحصل على مقاعد تزيد كثيراً عن نصف ماكان  يطمح له، ولما لم يكن هناك من معنى آخر للديمقراطية ، سوى الإقرار بحكم الأكثرية ، لذا كان المنطق يقتضي من قيادة المجلس الحكمة ، الاقرار بتلك الحقيقة ، ومراجعة منطلقات خطابه  وحيثيات مواقفه ، ليرى الأسباب الحقيقية لتراجعه  .

(*1) كان النفوذ البريطاني يمتدّ في فرنسا وبعض بلدان أوروبا ، درجة احتاجت معها فرنسا الى ثورةمناهضة للوجود البريطاني ، بقيادة (جان دارك) انتهت بإحراق الثائرة المذكورة ، بالتواطىء مع رجال الأكليروس ،وذلك  بتهمة الهرطقة ، ثم تكّرس النفوذ البريطاني بشكل أكبر ، بعد هزيمة نابليون بونابرت أمام القائد البريطاني هنغنتون في معركة واترلو.

الا ان ذلك يأتي من عقليات ديمقراطية في العادة ، وهو ما لم يتشكّل بعد عند الكثير من القوى السياسية العراقية ومنها تيار الحكمة ، إذ أظهرالمجمل في حركته السياسية بعد الانتخابات ، انه ينطلق من عقلية ” الوصائية ”  .

في رصد لحركة (الحكمة ) منذ انتخابات الدورات الانتخابية السابقة ، يلاحظ التراجع في مواقعه وشعبيته ، ففي انتخابات مجالس المحافظات مطلع عام 2009، وضح ذلك بشكل دراماتيكي ، إذ بعد ان كان يسيطر على مجالس عشر محافظات بما فيها بغداد ، جاءت الانتخابات المذكورة  ، ليخرج الحكميون منها صفر اليدين تقريباً  ، حيث حلّت لوائح المالكي في المراكز الأولى . .

ثم جاءت الانتخابات البرلمانية في السابع من آذار 2010، لتمنح الحكمة وحلفاءه انذاك  ( منظمة بدر – حزب الله العراق – شهيد المحراب – والمستقلين  القريبين منه ) 17 مقعداً بتراجع 13 مقعداً عن حصته السابقة في الائتلاف الوطني الموحّد البالغة 30 مقعداً.

وعلى هذا ، وجد ( المجلس الأعلى ) الحكمة لاحقاً ، نفسه في موقف حرج ، ففي داخل الائتلاف ، كان هناك منافسه الرئيس على امتداد المراحل الماضية – التيار الصدري – الذي حصد 40 مقعداً بتطور مثير رغم ماتلقاه من ضربات، ماجعله صاحب الكلمة الراجحة داخل (الائتلاف الوطني) .

في الجهة المقابلة، وقف المالكي بمقاعده الـ89 وشعبيته الكبيرة التي جعلته في المركز الأول بين الفائزين بتسمياتهم الخاصة وبفارق كبير عن أقرب منافسيه ( حصل المالكي في بغداد على مايزيد عن  640 ألف صوت ، فيما جاء علاوي بالمركز الثاني بمايقارب من 420 ألف صوت ) ، اما أعلى مرشح للمجلس (يومها ) ، فقد كان وزير المالية بيان جبر ( باقر جبر صولاغ ) الذي حصل على مايقرب من 70 ألف صوت .

ذلك يعني بلغة الأرقام ، ان (الحكيم)  ليس في وضع يؤهّله للمنافسة على المناصب السيادية ، ناهيك بأن يكون له الصوت الحاسم في العملية السياسية ، لكن الحركة النشطة التي قام بها رئيسه عمار الحكيم ، جعلت وسائل الإعلام تصفه بأنه زعيم  الائتلاف الوطني  رغم انه لم يسمّى رسمياً من قبل الكتلة ، وقد راجت كلمة ( الائتلاف الوطني العراقي بزعامة عمار الحكيم ) في الكثير من وسائل الإعلام العراقية والعربية – سواء تعمّداًً أم سياقاً – ما جعل (المجلس الأعلى)  يشعر بنوع من الرضا عن نفسه ، لاتباعه سياسة وضعته في هذا الموقع الى درجة وصفه بأنه (أربح الخاسرين )  ، لكنه لم يدرك ان ذلك كان موقعاً لا يأتي في سياق طبيعي ، أي انه في وضع افتراضي لاواقع فعلي ، لذا دفع بطموحاته  الى حدّها الأقصى ليقدم من ثم مرشحه الى رئاسة الوزراء – أو يوحي به على وجه أدقّ – .

كان المجلس الأعلى يدرك ان مناوراته تقف عند حدود معينة ، فمن داخل الائتلاف ، حيث بدت الحسابات السياسية  تؤشر الى ان التيار الصدري ، ليس بوارد الإقرار بمرشّح يقدمّه المجلس الأعلى والسير معه الى النهاية ، فلا شيء يبرر ذلك ، لامن حيث أحقّيته في عدد المقاعد ، ولا في أرجحية المرشح ( المجلسي ) على غيره .

أما في الكتل الأخرى ، فلا ائتلاف دولة القانون ولا (العراقية ) كانا بوارد القبول بمرشح من هذا النوع ، الكتلة الوحيدة  التي يمكن ان تجاري المجلس الأعلى ربما ، هي ( الكردستانية ) وهو مايشكّل إجمالي مقاعد لايزيد عن 74 نائبا ( 17 للمجلس و57 للكردستاني ) إذاً فتلك مناورة كانت محكومة بالانكشاف  .

في المقابل ، لايستطيع (المجلس) ان يقرّ للمالكي برئاسة الوزراء لأن من شأن ذلك ان يجعل شعبية المجلس في مستويات تهدد بإخراجه من المعادلة السياسية  ، طبقاً للمعطيات السابقة والحسابات اللاحقة ، إذ سيتحرك المالكي بقوة لتشكيل مقوّمات الدولة مجتاحاً في طريقه قواعد المجلس ، الذي قد يعجزعن وقف اندفاعة المالكي ، كما ظهر عليه الأمرطوال السنوات الماضية.

(1)- ( في جلسة خاصة مع أحد المقربين من المجلس الأعلى  ، ذكر المعلومة التالية : حينما اجتمع عمار الحكيم مع المرجع الإيراني علي خامنئي ، شرح له الأخير ضرورة عدم التصلّب في مواقفه  تجاه ترشيح المالكي ،لأن من شأن ذلك ان يقود الى مايؤثّرعلى الأمن القومي،ليس العراقي وحسب ، بل الإيراني كذلك ، فردّ عمار الحكيم : انا آسف لا أستطيع ذلك ، وحين قيل له ان مواقف عمّك ووالدك كانت أكثر مرونة من مواقفك  ، قال : ربما كانا أكثر تقديراً  للأمور منّي  ) .

ذلك  المأزق الأول الذي كان  يحاصر المجلس ويمسك بخناقة ، أما تحالفه مع علاوي ، فسيعني الإقرار بحكم الأخير وقائمته ( العراقية ) التي شملت بعض قياداتها إجراءات المساءلة والعدالة ، وهي القرارات التي أيّدها المجلس عند صدورها ، لأنها أصلاً مشرو ع انبثق من داخل الائتلاف الوطني وبمباركته ، كذلك فإن القائمة العراقية هي ذاتها التي صرّح بعض أركانها علناً بأن حزب البعث هو أشرف ظاهرة شهدها العراق – كما نقل عن لسان صالح المطلك وظافر العاني مثلاً- وبالتالي فتحالف المجلس معها ، يعني استفزازاً للقاعدة الشعبية ، التي طالما طيبّ  خواطرها بحديثه عن (أبناء  المقابر الجماعية ) ما يهدد بخسارته للكثير من قواعده ويضعه في موقع من تخلّى عن شعاراته وأهدافه ، كذلك لن يجد تبريرات كافية لرفضه المالكي ( بكل مايعنيه ) وقبوله بعلاوي ( بكلّ مايعنيه كذلك ) .

وهكذا حوصر المجلس الأعلى  في زوايا حرجة حيث وضعته التطورات أمام خيارات أحلاهما مرّ، لذا لم يكن أمامه من  سبيل سوى مواصلة الهروب الى الأمام وصولاّ الى حافة الهاوية ، تحت شعار ” إن لم أربح ، فلن أجعل غيري يربح ” .

في تكثيف زمني متوتر ، وحينما كانت عملية تشكيل الحكومة تمرّ عبر إرهاصات ومخاضات صعبة ، نجح المجلس الأعلى في تمرير عادل عبد المهدي  كمرشح للائتلاف الوطني  بعد عقده لقاءً مع مقتدى الصدر في إيران ، تخلّى بموجبه الصدريون عن المرشح الذي أفرزته نتائج الاستطلاع  الخاص الذي أجراه التيار فيما تلا الانتخابات ، وحلّ به الجعفري أولاً .

كانت العملية الديمقراطية على شفير  التمزّق ، صحيح ان مرشّح المجلس الأعلى كان يحقّ له نظرياً شغل منصب رئاسة الوزر اء حسب النظام البرلماني ، لكن ذلك يشبه تسجيل أهداف من حالة تسلل كما في كرة القدم ، إذ ان من أهم مايميز الممارسة الديمقراطية ، ان عليها بناء قيم وسلوكيات لاتتناقض مع المبادىء العامة لهكذا نوع من النظم ، لكن  طريق السياسة في العراق  ، كان يسير وفق خطوط شديدة التعرّج  والغموض ، وهو مايتنافي مع أهم مبدأ في الديمقراطية – الشفافية – .

اليوم ،تتكرر بعض عناصر المشهد السابق مع تيار الحكمة وقائده الحكيم ، حيث حصل  على 18  مقعداً ، لن تكون كافية لمزاحمة الصفوف الأولى  التي يتصدرها السوداني والمالكي  والخزعلي ، لكنه سيبقى متحفظاً – أو معارضاً – على ترشيح المالكي للأسباب السابقة ذاتها ،وسيبقى حائراً بين أن يكون أمير الغال ،أو أمير البنغال ، فلايحصل هذه ،ولا يطال تلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *