العراق محكوم بالتدخل – الآفة التي استباحت العقل العراقي
– بلاد الغال : كانت تطلق على فرنسا وبلجيكا جغرافيّاً، لكنه مصطلح استخدمته بريطانيا لإطلاقه على وليّ عرشها ” أمير الغال ” كناية عن التأثير الحاسم للتاج البريطاني والنفوذ التي تتمتع به في تلك البلاد (*1) حينما كانت بريطانيا إمبراطورية لاتغيب عنها الشمس .
ورغم ان تينك الدولتين – بلجيكا وفرنسا – قد تحررتا من النفوذ البريطاني منذ أمد بعيد , وان بريطانيا ذاتها قد تحولت الى بلد يدورفي فلك قوّة عظمى اسمها أمريكا ، وان التاج البريطاني أصبح مجرد رمز شكلي يملك ولايحكم ، بل وصل الأمر حدود تذمر البريطانيين من رواتب أفرادالأسرة المالكة وبذخهم ، الا ان لقب ” أمير الغال ” مازال يطلق على وليّ العهد البريطاني ، فيما اقتصرت ” الغال ” على إمارة صغيرة اسمها ويلز .
أما بلاد البنغال ، فهي المعروفة اليوم بإسم ” بنغلادش ” وكانت جزءاً من الهند ، التي اعتبرتْ في أزمنة سالفة ” درّة التاج البريطاني ” ، وبالتالي فحاكم الهند ورغم حصوله على لقب ” نائب الملك ” الا انه يبقى في مرتبة أدنى من ” أمير الغال ” باعتبار الأخير ملكاً مؤجلاً .
في العراق ، تراجع وبشكل واضح ، نفوذ بعض القوى السياسية بقيادتها الدينية كتيار الحكمة ، الذي أظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة انه لم يحصل على مقاعد تزيد كثيراً عن نصف ماكان يطمح له، ولما لم يكن هناك من معنى آخر للديمقراطية ، سوى الإقرار بحكم الأكثرية ، لذا كان المنطق يقتضي من قيادة المجلس الحكمة ، الاقرار بتلك الحقيقة ، ومراجعة منطلقات خطابه وحيثيات مواقفه ، ليرى الأسباب الحقيقية لتراجعه .
(*1) كان النفوذ البريطاني يمتدّ في فرنسا وبعض بلدان أوروبا ، درجة احتاجت معها فرنسا الى ثورةمناهضة للوجود البريطاني ، بقيادة (جان دارك) انتهت بإحراق الثائرة المذكورة ، بالتواطىء مع رجال الأكليروس ،وذلك بتهمة الهرطقة ، ثم تكّرس النفوذ البريطاني بشكل أكبر ، بعد هزيمة نابليون بونابرت أمام القائد البريطاني هنغنتون في معركة واترلو.
الا ان ذلك يأتي من عقليات ديمقراطية في العادة ، وهو ما لم يتشكّل بعد عند الكثير من القوى السياسية العراقية ومنها تيار الحكمة ، إذ أظهرالمجمل في حركته السياسية بعد الانتخابات ، انه ينطلق من عقلية ” الوصائية ” .
في رصد لحركة (الحكمة ) منذ انتخابات الدورات الانتخابية السابقة ، يلاحظ التراجع في مواقعه وشعبيته ، ففي انتخابات مجالس المحافظات مطلع عام 2009، وضح ذلك بشكل دراماتيكي ، إذ بعد ان كان يسيطر على مجالس عشر محافظات بما فيها بغداد ، جاءت الانتخابات المذكورة ، ليخرج الحكميون منها صفر اليدين تقريباً ، حيث حلّت لوائح المالكي في المراكز الأولى . .
ثم جاءت الانتخابات البرلمانية في السابع من آذار 2010، لتمنح الحكمة وحلفاءه انذاك ( منظمة بدر – حزب الله العراق – شهيد المحراب – والمستقلين القريبين منه ) 17 مقعداً بتراجع 13 مقعداً عن حصته السابقة في الائتلاف الوطني الموحّد البالغة 30 مقعداً.
وعلى هذا ، وجد ( المجلس الأعلى ) الحكمة لاحقاً ، نفسه في موقف حرج ، ففي داخل الائتلاف ، كان هناك منافسه الرئيس على امتداد المراحل الماضية – التيار الصدري – الذي حصد 40 مقعداً بتطور مثير رغم ماتلقاه من ضربات، ماجعله صاحب الكلمة الراجحة داخل (الائتلاف الوطني) .
في الجهة المقابلة، وقف المالكي بمقاعده الـ89 وشعبيته الكبيرة التي جعلته في المركز الأول بين الفائزين بتسمياتهم الخاصة وبفارق كبير عن أقرب منافسيه ( حصل المالكي في بغداد على مايزيد عن 640 ألف صوت ، فيما جاء علاوي بالمركز الثاني بمايقارب من 420 ألف صوت ) ، اما أعلى مرشح للمجلس (يومها ) ، فقد كان وزير المالية بيان جبر ( باقر جبر صولاغ ) الذي حصل على مايقرب من 70 ألف صوت .
ذلك يعني بلغة الأرقام ، ان (الحكيم) ليس في وضع يؤهّله للمنافسة على المناصب السيادية ، ناهيك بأن يكون له الصوت الحاسم في العملية السياسية ، لكن الحركة النشطة التي قام بها رئيسه عمار الحكيم ، جعلت وسائل الإعلام تصفه بأنه زعيم الائتلاف الوطني رغم انه لم يسمّى رسمياً من قبل الكتلة ، وقد راجت كلمة ( الائتلاف الوطني العراقي بزعامة عمار الحكيم ) في الكثير من وسائل الإعلام العراقية والعربية – سواء تعمّداًً أم سياقاً – ما جعل (المجلس الأعلى) يشعر بنوع من الرضا عن نفسه ، لاتباعه سياسة وضعته في هذا الموقع الى درجة وصفه بأنه (أربح الخاسرين ) ، لكنه لم يدرك ان ذلك كان موقعاً لا يأتي في سياق طبيعي ، أي انه في وضع افتراضي لاواقع فعلي ، لذا دفع بطموحاته الى حدّها الأقصى ليقدم من ثم مرشحه الى رئاسة الوزراء – أو يوحي به على وجه أدقّ – .
كان المجلس الأعلى يدرك ان مناوراته تقف عند حدود معينة ، فمن داخل الائتلاف ، حيث بدت الحسابات السياسية تؤشر الى ان التيار الصدري ، ليس بوارد الإقرار بمرشّح يقدمّه المجلس الأعلى والسير معه الى النهاية ، فلا شيء يبرر ذلك ، لامن حيث أحقّيته في عدد المقاعد ، ولا في أرجحية المرشح ( المجلسي ) على غيره .
أما في الكتل الأخرى ، فلا ائتلاف دولة القانون ولا (العراقية ) كانا بوارد القبول بمرشح من هذا النوع ، الكتلة الوحيدة التي يمكن ان تجاري المجلس الأعلى ربما ، هي ( الكردستانية ) وهو مايشكّل إجمالي مقاعد لايزيد عن 74 نائبا ( 17 للمجلس و57 للكردستاني ) إذاً فتلك مناورة كانت محكومة بالانكشاف .
في المقابل ، لايستطيع (المجلس) ان يقرّ للمالكي برئاسة الوزراء لأن من شأن ذلك ان يجعل شعبية المجلس في مستويات تهدد بإخراجه من المعادلة السياسية ، طبقاً للمعطيات السابقة والحسابات اللاحقة ، إذ سيتحرك المالكي بقوة لتشكيل مقوّمات الدولة مجتاحاً في طريقه قواعد المجلس ، الذي قد يعجزعن وقف اندفاعة المالكي ، كما ظهر عليه الأمرطوال السنوات الماضية.
(1)- ( في جلسة خاصة مع أحد المقربين من المجلس الأعلى ، ذكر المعلومة التالية : حينما اجتمع عمار الحكيم مع المرجع الإيراني علي خامنئي ، شرح له الأخير ضرورة عدم التصلّب في مواقفه تجاه ترشيح المالكي ،لأن من شأن ذلك ان يقود الى مايؤثّرعلى الأمن القومي،ليس العراقي وحسب ، بل الإيراني كذلك ، فردّ عمار الحكيم : انا آسف لا أستطيع ذلك ، وحين قيل له ان مواقف عمّك ووالدك كانت أكثر مرونة من مواقفك ، قال : ربما كانا أكثر تقديراً للأمور منّي ) .
ذلك المأزق الأول الذي كان يحاصر المجلس ويمسك بخناقة ، أما تحالفه مع علاوي ، فسيعني الإقرار بحكم الأخير وقائمته ( العراقية ) التي شملت بعض قياداتها إجراءات المساءلة والعدالة ، وهي القرارات التي أيّدها المجلس عند صدورها ، لأنها أصلاً مشرو ع انبثق من داخل الائتلاف الوطني وبمباركته ، كذلك فإن القائمة العراقية هي ذاتها التي صرّح بعض أركانها علناً بأن حزب البعث هو أشرف ظاهرة شهدها العراق – كما نقل عن لسان صالح المطلك وظافر العاني مثلاً- وبالتالي فتحالف المجلس معها ، يعني استفزازاً للقاعدة الشعبية ، التي طالما طيبّ خواطرها بحديثه عن (أبناء المقابر الجماعية ) ما يهدد بخسارته للكثير من قواعده ويضعه في موقع من تخلّى عن شعاراته وأهدافه ، كذلك لن يجد تبريرات كافية لرفضه المالكي ( بكل مايعنيه ) وقبوله بعلاوي ( بكلّ مايعنيه كذلك ) .
وهكذا حوصر المجلس الأعلى في زوايا حرجة حيث وضعته التطورات أمام خيارات أحلاهما مرّ، لذا لم يكن أمامه من سبيل سوى مواصلة الهروب الى الأمام وصولاّ الى حافة الهاوية ، تحت شعار ” إن لم أربح ، فلن أجعل غيري يربح ” .
في تكثيف زمني متوتر ، وحينما كانت عملية تشكيل الحكومة تمرّ عبر إرهاصات ومخاضات صعبة ، نجح المجلس الأعلى في تمرير عادل عبد المهدي كمرشح للائتلاف الوطني بعد عقده لقاءً مع مقتدى الصدر في إيران ، تخلّى بموجبه الصدريون عن المرشح الذي أفرزته نتائج الاستطلاع الخاص الذي أجراه التيار فيما تلا الانتخابات ، وحلّ به الجعفري أولاً .
كانت العملية الديمقراطية على شفير التمزّق ، صحيح ان مرشّح المجلس الأعلى كان يحقّ له نظرياً شغل منصب رئاسة الوزر اء حسب النظام البرلماني ، لكن ذلك يشبه تسجيل أهداف من حالة تسلل كما في كرة القدم ، إذ ان من أهم مايميز الممارسة الديمقراطية ، ان عليها بناء قيم وسلوكيات لاتتناقض مع المبادىء العامة لهكذا نوع من النظم ، لكن طريق السياسة في العراق ، كان يسير وفق خطوط شديدة التعرّج والغموض ، وهو مايتنافي مع أهم مبدأ في الديمقراطية – الشفافية – .
اليوم ،تتكرر بعض عناصر المشهد السابق مع تيار الحكمة وقائده الحكيم ، حيث حصل على 18 مقعداً ، لن تكون كافية لمزاحمة الصفوف الأولى التي يتصدرها السوداني والمالكي والخزعلي ، لكنه سيبقى متحفظاً – أو معارضاً – على ترشيح المالكي للأسباب السابقة ذاتها ،وسيبقى حائراً بين أن يكون أمير الغال ،أو أمير البنغال ، فلايحصل هذه ،ولا يطال تلك .


