المعارضة المزدوجة: حين يستعيد المجتمع التوازن المفقود في السياسة العراقية

المعارضة المزدوجة: حين يستعيد المجتمع التوازن المفقود في السياسة العراقية
يؤكد التحليل أن غياب معارضة فعلية—برلمانية وشعبية—هو جوهر الأزمة السياسية في العراق، وأن بناء معارضة مزدوجة قادر على إعادة التوازن للنظام، فيما يشكل انتقال قادة السلطة طوعاً إلى صفّ المعارضة تحولًا سياسياً يفتح أفقاً إصلاحياً جديداً...

مع تكرار ظاهرة الفائز في الانتخابات الذي لا يستطيع تشكيل الحكومة، بات من الصعب على المواطن أن يصدّق أن العملية الانتخابية ما تزال وسيلة فعلية لتغيير الحكم. غير أنّ المأزق الحقيقي لا يتوقف عند حدود فوز طرف وخسارة آخر، بل يتجسّد في فراغ المعارضة: غياب معارضة تعبّر عن القاعدة الاجتماعية الواسعة التي لم تعد تثق بالنظام السياسي، وامتنعت في الانتخابات الأخيرة عن التصويت بنسبة تتجاوز نصف الشعب، مقابل معارضة برلمانية جاءت عبر صناديق الاقتراع لكنها ما تزال مشتتة وغير قادرة على صياغة مشروع واضح. من هنا يبرز أن البديل الأكثر واقعية اليوم، والوحيد القادر على فتح أفق مختلف، هو بناء معارضة مزدوجة: معارضة داخل البرلمان تعمل وفق أدواته، وأخرى خارج البرلمان تتحرك في المجتمع كجبهة ضغط ووعي، تستند إلى شرعية انتخابية من شاركوا وشرعية احتجاجية من امتنعوا، لتعيد التوازن إلى المشهد السياسي وتعيد العمل السياسي إلى مساره الطبيعي.

بناء معارضة وطنية قوية

وفي هذا الصدد، أمام السيد السوداني اليوم فرصة تاريخية، يلعب من خلالها الدور الأبرز في الذهاب إلى المعارضة البرلمانية، وبذلك ينجح في تحقيق هدف نبيل لم يستطع السيد الصدر تحقيقه من قبل، ومن ثم سيحظى بتأييد شعبي يفوقه؛ ذلك أن انتقاله طوعاً إلى خانة المعارضة سيُنظر إليه بوصفه خروجاً من عباءة المحاصصة، وتحرراً من قيود التحالفات التي كبّلت الحكومات المتعاقبة، واعترافاً شجاعاً بأن إدارة الدولة لا يمكن أن تستقيم في ظل منظومة تُعيد إنتاج نفسها مهما اختلفت الوجوه.

خطوة كهذه ستعيد تعريف مفهوم القيادة السياسية في العراق؛ إذ للمرة الأولى سيكون هناك رئيس وزراء سابق، قوي الحضور، يختار بإرادته أن يقف في الصف المقابل للسلطة، لا بدافع الخصومة السياسية، بل بدافع إصلاح الدولة ذاتها. وسيؤسس بذلك تقليداً جديداً طالما غاب عن الحياة السياسية العراقية: تقليد القائد الذي ينسحب من السلطة ليُمارس دوراً أخلاقياً ورقابياً، لا دوراً سلطوياً. وهذا وحده كفيل بأن يمنحه مكانة استثنائية لدى المواطنين، خصوصاً لدى الطبقة الصامتة التي تبحث عن نموذج سياسي يضع مصلحة الدولة فوق حسابات النفوذ.

تشكل المعارضة البرلمانية، إن أُحسن تنظيمها، فرصة لاستعادة التوازن داخل النظام السياسي. فوجود حكومة قوية يحتاج بالضرورة إلى معارضة قوية، وإلا تحولت السلطة إلى مجال مغلق لإعادة تدوير النفوذ. المعارضة هنا ليست ترفاً سياسياً ولا موقعاً ثانوياً، بل هي ممارسة مؤسساتية قادرة على كشف الانحرافات، وإجبار الحكومة على الالتزام بالتعهدات، وتوجيه النقاش العام نحو قضايا حقيقية. في العراق، لطالما كانت المعارضة مجرّد شعار أو موقف وقتي يُتّخذ عند توزيع المناصب، لا خياراً استراتيجياً. ولذلك أصبحت الحكومات أشبه بتحالفات محاصصاتية، لا تواجه من يراجعها أو يحاسبها. لكن تحويل المعارضة إلى موقع فعلي داخل البرلمان قد يعيد رسم ملامح الدولة، بشرط أن تكون معارضة قائمة على مشروع، لا على المناورة.

المعارضة خارج البرلمان

أما المعارضة خارج البرلمان، فهي من الناحية الموضوعية أكبر كتلة سياسية في العراق، وإن لم تُصنّف كذلك في الخطاب الرسمي. ملايين المواطنين الذين اختاروا الامتناع عن التصويت لا يمكن قراءتهم ككتلة خاملة أو لا مبالية. كثير منهم فقد الثقة في قدرة النظام الحالي على إنتاج حكومة تمثلهم، وكثير منهم وجد أن اللعبة محسومة قبل أن تبدأ. هؤلاء يشكلون وزناً اجتماعياً وثقافياً ضخماً، يمكن أن يصبح قوة ضغط موازنة إذا تم تحويل هذا الامتناع إلى وعي جماعي منظم. ليس المطلوب إنتاج جبهة احتجاجية دائمة، فهذا يؤدي إلى إنهاك المجتمع وإضعاف الدولة. المطلوب هو خلق حسّ عام يرفع كلفة الفساد والفشل السياسي، حتى دون نزول يومي إلى الشارع. الوعي المدني، حين يتراكم، يتحول إلى سلطة رمزية تضبط أداء الفاعلين السياسيين، وتذكرهم بأنّ شرعيتهم ناقصة ما لم يفوزوا بثقة الناس.

في هذا الإطار، يتكامل الدوران: المعارضة البرلمانية تمتلك المنصة القانونية والدستورية، بينما المعارضة الشعبية تمتلك السلطة الأخلاقية والاجتماعية. الأولى تضع الملفات على الطاولة، والثانية تمنع طمسها. الأولى تراقب الأداء، والثانية تفرض حدوداً على الاستهتار بالوعود. بهذا الشكل، لا تصبح المعارضة محاولة يائسة للعودة إلى الحكم، بل تصبح وظيفة وطنية لإعادة توزيع القوة داخل النظام. وكلما ازداد التناسق بين هاتين المعارضتين، ازدادت قدرة المجتمع على فرض خط سياسي جديد.

إنّ مشكلتنا الأساسية ليست في أن الخاسرين يتحالفون ليصبحوا كتلة أكبر؛ فهذا جزء من لعبة الديمقراطية التوافقية كما صيغت عراقياً. المشكلة أن الفائزين أنفسهم لا يرون المعارضة خياراً مشروعاً، ولا يملكون ثقافة العمل داخل بنية معارضة منظمة. يفضلون الانضمام إلى الحكومة بحثاً عن المكاسب، حتى إن كانوا بلا تأثير فعلي.

هذا يجعل البرلمان مجرد غرفة صدى، ويلغي إحدى أهم وظائف الديمقراطية: توزيع السلطة بين حكم ومعارضة. حين تتوزع المنافع على الجميع، تتبخر المسؤولية، وحين يتشارك الجميع في الحكم، تضيع نقطة المحاسبة، وتختفي فكرة البديل السياسي.

من الناحية التاريخية، الأنظمة التوافقية التي نجحت—مثل بلجيكا أو هولندا—كانت تمتلك معارضات قوية، لا تقل وزناً عن الحكومات نفسها. فالتوافق لا يعني ذوبان الفوارق بين القوى، ولا يعني أن الجميع يحكمون، بل يعني وجود خطوط تفاهم جامعة مع خطوط خلاف واضحة. العراق اليوم يحتاج إلى هذه الثنائية: أن يتفق الجميع على حماية الدولة والمؤسسات والأسس الدستورية، وأن يختلفوا بشدة على السياسات والنماذج الاقتصادية والاجتماعية. هذا ما يميز الديمقراطية الحية عن الديمقراطية التجميلية.

نقطة القوة الأخطر في المعارضة المدنية خارج البرلمان أنها تمثل روح الاحتجاج ما بعد 2019، وإن كانت خامدة الآن. تلك الروح لا تزال حاضرة في وعي الناس، وإن فقدت أدواتها الميدانية. ويمكن لهذه الروح أن تجد متنفساً جديداً من خلال معارضة برلمانية تقطع الطريق على صفقات الغرف المغلقة، وتفتح المجال لمساءلة حقيقية، وتقدّم خطاباً عقلانياً يربط بين حقوق الفرد وفكرة الدولة، وبين العدالة الاجتماعية وبناء المؤسسات. إذا نجحت هذه الثنائية، يمكن عندئذ إعادة تعريف معنى المواطنة، بحيث لا يكون العراقي مجرد متلقٍّ لنتائج سياسية مفروضة، بل طرفاً فاعلاً في إنتاجها.

في نهاية المطاف، المعارضة ليست خيار الخاسرين، بل خيار الواقعيين. في بلدٍ لن تحسمه الأغلبية البسيطة، وفي نظام توافقي لا يسمح بالفوز الصريح، تصبح المعارضة إحدى أدوات إنقاذ الدولة من نفسها، وإعادة تذكير النظام بأن الشرعية لا تتأتى من الالتفاف على النتائج، بل من احترام إرادة الناس، سواء عبر من انتخبوا أو من قاطعوا. بهذا يصبح المجتمع الطرف الغائب الحاضر: غائباً عن البرلمان، لكنه حاضر في الوعي، ضاغطاً بقدر ما يستطيع، ومذكّراً دائماً أن الحكم مسؤولية لا غنيمة، وأن الديمقراطية ليست صندوقاً فقط، بل علاقة بين دولة ومواطن، لا تقوم إلا بتوازن القوة بين من يحكم ومن يراقب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *