تشريح الفتنة ج 1: قراءة تأملية في خروج القبائل على أبي بكر وخروج الأمصار على عثمان

تشريح الفتنة: قراءة تأملية في خروج القبائل على أبي بكر وخروج الأمصار على عثمان
يفرق النص بين الفتنة كخطر على وحدة الدولة الناشئة كما في حروب الردة، وكأزمة عدالة وتوزيع سلطة كما في زمن عثمان، ويؤكد ضرورة آليات العدالة والمساءلة لصون شرعية النظام السياسي واستقراره...

تتكررُ على لسان المؤرخين والفقهاء عبارة “الفتنة” حين تُشير إلى تحوّلٍ عن الوحدة السياسية أو الشرعية، لكن لفظَ الفتنة يخفي تحت طياته فروقًا دقيقة وجذرية بين حالات تاريخية مختلفة. وفي قلب هذه التأملات يقفان حدثان مفصليان في عمر الدولة الإسلامية الصاعدة: خروجُ قبائلٍ رفضت دفع الزكاة في عهد أبي بكر (الذي عرف لاحقًا باسم حروب الردة) من جهة، وخروجُ أهلِ مصر والعراق واحتجاجهم على حكم عثمان بن عفان من جهة أخرى. تبدو المقارنة في الظاهر تقليدية؛ تمرد هنا، واحتجاج هناك. لكن التشريح العميق يكشف تباينات بنيوية في الدوافع، المواقع، وسلوك السلطة، وتبعات كل حالة على مدار التاريخ الإسلامي.

أقربُ إلى العقل أن نتعامل مع هذين الحدثين كحالتين مختلفتين في نسيج الدولة: الأولى مسألةُ تأسيسِ وحدةٍ عقدية وسياسية، والثانية صراعٌ على توزيع السلطة والسلع الرمزية بعد اتساع رقعة الدولة. سنعتمد في هذا المقال قراءة تحليلية-نقدية، تجمع بين مصادر السرد التاريخي وتفكيك الأسباب الاجتماعية والسياسية، مع محاولة لاستخلاص دروسٍ عامة عن طبيعة الدولة والشرعية.

الاختلاف البنيوي بين الفتن

في السنة الأولى التي أعقبت وفاة الرسول محمد، صارت مسألة الزكاة والولاء السياسي مبعث قلقٍ وجودي للدولة الناشئة. لم تكن القبائل التي امتنع بعضها عن دفع الزكاة مجرد مجموعات معارضة لضرائب؛ فقد ظهرت في بعض الأوساط ظواهرٌ أعمق: ادّعاءاتُ النبوة، ورفضُ الالتزام بشروط العقد السياسي الجديد. ولئن كانت أسباب الامتناع متفاوتة — من رغبة في استعادة استقلالية القبيلة إلى استغلال زعامات محلية لمشاعر العزلة والرفض — فإن جوهر المشكلة كان يتعدّى الجانب المالي ليصل إلى أصل الشرعية: هل تُحكم أمةٌ توحدت تحت راية الإسلام بقيمٍ تشكّلها المدينة المركزية أم تظلّ لكل قبيلة حكمها الخاص؟

هنا ظهر موقفُ السلطة المركزية: مواجهةٌ حازمة أُريد بها إثباتُ وجود الدولة كهيئة قادرة على فرض شروط الانضمام والالتزام الديني والسياسي. لم تكن تلك المواجهة خيارًا وقائيا فحسب؛ بل كانت في جوهرها دفاعًا عن فكرة الدولة الموحدة، عن منظومةٍ عقدية تُنظم علاقة الأفراد بالسلطة.

بعد سنوات من الفتوحات وامتداد رقعة الحكم الإسلامي، تشكّلت شبكة مراكز قوة جديدة: ولاة، جيش أموي-قبليّ، ومصالح إدارية ومالية متشابكة. لم يعد الحديث عن “قبيلة أمّية” في الأطراف وحدها، بل عن أفراد ومجموعات داخل صلب الدولة يمتلكون مواقع قرار وتأثيرًا اقتصاديًا.

سلطة عثمان وأزمة الحكم

خروج مصر والعراق على عثمان غَرَسَهُ شكاوىً مركزية عن المحسوبية، توزيع المناصب بين الأقارب، فقدان العدالة الإدارية، وسوء سلوك بعض الولاة. ليس هنا إنكارٌ للشرعية العقدية للإسلام، بل نزاعٌ على كيفية أداء السلطة وصياغة قواعد الحكم بعدما انبثقت الدولة إلى ما هو أبعد من النواة المكية-المدينية. العاطفة الدينية لم تُغِب، لكن ليس بصفتها عاملًا مفصليًا كما في حالات الردة؛ كانت الأدوات السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي السائدة.

من صراع “على” الدولة إلى صراع “داخل” الدولة. والفارق الجوهرّي بين الحالتين يكمن في موقع الخارجين من منظومة السلطة. ففي حروب الردة: الأطراف كانت في أغلبها خارجية بالنسبة لمركز المدينة، أو في طور الاندماج، وحجم الخروج كان تهديدًا لوجود الدولة بوصفها كيانًا موحدًا.

في فتنة عثمان، الخارجون كانوا جزءًا من بنيان الدولة — جنودٌ، إداريون، سكانُ أمصارٍ كبيرة — وأكثر قدرةً على التأثير في ديمومة النظام ذاته. هنا لم تكن المسألة مسألة إقامة دولة جديدة، بل مطالبة بتقويم عمل السلطة وتوزيع الموارد والوظائف.

لقد كانت استجابة أبو بكر الحزم، حيث استعمال القوة العسكرية لتأكيد أحادية القاعدة ومَنع التفكك. كان في ذلك حكمة سياسية تُراعي أن السماح لهذا النوع من الخروج قد يعني انهيار المشروع السياسي الوليد. أما استجابة عثمان، فشابهت في بداياتها سياسة تسويف ووعودًا بالإصلاح، ثم ضعفًا في الاستخدام الحاسم للنفوذ، ما أدّى إلى تفاقم الأزمة حتى وصلت إلى المطالبة المباشرة بتغيير النظام وصولًا إلى مقتله. إن ضعفَ الحسم هنا لم يكن بالضرورة عجزًا شخصيًا فحسب، بل نتيجةُ تعقّدٍ بنيوي.

فقد ارتكب عثمان خطأ فادحا بتقريب أقربائه، وتوزيع مناصب الدولة الأساسية عليهم، ولكننا في الوقت نفسه، عندما نقرأ القائمة الإدارية التي يذكرها الطبري في احداث عام (35) هـ والتي تتضمن مايقرب من الثلاثين رجلا، نجد أن ستة منهم فقط من أقرباء عثمان، وأن خمسة وعشرين لا تربطهم به أية صلة من نسب. (تاريخ الطبري، ج4، ص 421-422) وعلى أي حال، إن قراءة هذه الوقائع لا ينبغي أن تظل حبيسة الأحكام الأخلاقية أو الدينية المبسطة؛ فالتاريخ هنا يكشف عن نفسه عبر بنية السلطة وتشابكاتها الاقتصادية والاجتماعية، لا عبر النوايا وحدها. الحسم العسكري قد ينجح في حماية الدولة من التفكك لكنه لا يضمن عدالة توزيع القوة ولا استقامة الإدارة، فيما قد يتحول الحوار الإداري إلى مسرح للتسويف والفساد حين تفقد الأطراف ثقتها ببعضها. ومع اتساع الدولة من نواة صغيرة متماسكة إلى كيانٍ متعدد الأطراف والمصالح، تتبدل أشكال الشرعية من شرعية عقدية مباشرة إلى شرعية مؤسساتية تتطلب تمثيلًا ومحاسبةً وآلياتٍ واضحة للضبط والمساءلة. الفتنة، في هذا المنظور، ليست حادثة منفصلة بل عملية تراكمية تبدأ من قرار مالي أو إداري بسيط، ثم تتطور عبر طبقات من الرموز والسلوكيات حتى تصبح أزمة وجود. فهم التاريخ بهذا الوعي يحررنا من المبالغة في تبسيط الأحداث.

في حسن القراءة أن نميز بين من يثور على الدولة لأنها تُغتصب إرادته، ومن يثور عليها لأنه يرى فيها جسدًا ألهته بدلاتُ الأقارب وسلوكُ الولاة. أولى المشكلات تُعالج بقوة تثبتُ شروط الانتماء؛ أما الثانية فتحتاج إصلاحًا مؤسساتيًا يوفّر العدالة والمساءلة. إن إدراك هذا الاختلاف هو الذي يساعدنا على فهم لماذا أدت بعض المواجهات إلى إعادة تأكيد الدولة، ولماذا دفعت أخرى نحو أزمة شرعية طويلة المدى. وهنا، في قلب هذه الدروس، تختبئ دعوة معاصرة: أي مشروع سياسي ينمو لابد أن يخلق آليات داخلية للعدالة والمحاسبة، وإلا كان مصيره أن يتحوّل خلافًا قابلاً للاشتعال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *