نصّ قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم ٢١٣/ اتحادية/٢٠٢٥ في ١٧-١١-٢٠٢٥ على تفسير نصّ المادة (56) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، مؤكّدًا أن مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنوات تنتهي بنهاية السنة الرابعة، وأن انتخاب المجلس الجديد يجب أن يتم قبل (أربع) سنوات وانتهاء الولاية السابقة، وأن ما يصدر عن مؤسسات الدولة خلال فترة تصريف الأعمال لا يجوز أن يتضمن تنصلًا من المدة الدستورية أو تحويل اختصاصات جوهرية إلى مؤسسات منتخبة أو غير منتخبة.
القرار يقيّد بالتالي صلاحيات السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) خلال الفترة الانتقالية أو تصريف الأعمال.
فيما يلي قراءة تفصيلية ومكثفة لتأثيرات هذا التفسير على عمل مجلس الوزراء اقتصادياً ومالياً وإداريًا، وسبل التعامل العملي للتخفيف من مخاطره.
الجانب القانوني-الدستوري ما الذي غيّره التفسير عمليًا؟
يؤكد القرار فصلًا بين صلاحيات الأمور اليومية والروتينية (التصرف في شؤون الدولة اللازمة لاستمرار المرافق والخدمات) والصلاحيات التي تغير تركيبة السلطات أو تمس بتوازنها الدستوري (مثل إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، تعيينات عليا، إبرام قروض دولية طويلة الأجل، تحويل صلاحيات تشريعية أو تنفيذية).
يُحظر على مجلس الوزراء خلال فترة تصريف الأعمال اتخاذ قرارات تمس الحق الدستوري للشعب في اختيار ممثليه أو تُعدّل المدد الدستورية أو تُقوّض مبدأ تداول السلطة بالانتخاب.
عمليًا: قرارات التوقيع على قروض استراتيجية، تعيين وزراء أو رؤساء مؤسسات مستقلة، إبرام اتفاقيات دولية جوهرية، أو إقرار إصلاحات قانونية/هيكلية كبيرة — تعتبر مشكوكًا في صحتها إذا اتخذت أثناء تصريف الأعمال.
أثر القرار على آليات اتخاذ القرار في الحكومة تعطيل أم ضبط؟ تعطيل وظيفي مؤقت
وترجيح حدوث «تباطؤ إداري» لدى رئاسة الوزراء والوزارات، إذ سيتطلب تقييم كل قرار هل يدخل في نطاق «الأمور اليومية» أم أنه يتعداها. هذا يعني ترددًا قانونيًا وتنقلاً بين المستشارين القانونيين والجهات الرقابية قبل كل قرار كبير.
وزيادة في لجوء الوزارات إلى «إجراءات مؤقتة» أو «إحالات إلى مجلس النواب الجديد» بدلًا من اتخاذ قرارات نهائية.
ضبط دستوري
بالمقابل، القرار يُخفض من مخاطر استغلال حالة تصريف الأعمال لتمرير إجراءات تغيّر قواعد اللعبة (تعيينات، صفقات، تفويضات). هذا يعزّز الشفافية والشرعية على المدى المتوسط.
الآثار الاقتصادية-المالية المباشرة على السيولة العامة والمالية العامة
تأخير القروض والاتفاقيات التمويلية: أي قروض استراتيجية أو تمويلات مشروطة (مع مؤسسات دولية أو حكومات) قد تتوقف عن التوقيع أو التطبيق لحين توضيح حالتها القانونية، ما يؤثر على التمويل الخارجي للمشروعات الرأسمالية.
وتأجيل مشاريع إنفاق رأسمالي: مشاريع البنية التحتية التي تعتمد على عقود جديدة أو اتفاقيات تمويل خارجية قد تتأخر، ما يضغط على معدلات الإنفاق الرأسمالي ويؤثر على فرص التشغيل والنمو.
على الميزانية والدين العام
إذا ارتبطت مصروفات بقرارات أو ملحقات عقود تحتاج توقيعًا لا يمكن لمرحلة تصريف الأعمال إجراؤه، ستُقدِم الحكومة على تأجيل صرف أو تحويل تمويلات، ما قد يخلق ازدواجية في الإشراف المالي ويزيد الحاجة إلى اعتمادات طارئة خلال تسوية مع المجلس الجديد.
وتعطّل برامج إصلاحية مرتبطة بشروط قروض دولية (شرطية) قد يُعرّض العراق لخطر تعليق برامج دعم أو مطالبات تعديل اتفاقيات، مع أثر سلبي محتمل على تكلفة التمويل والسيولة الدولية.
على القطاع المصرفي والأسواق
تزايد عدم اليقين قد يُضعف ثقة الأسواق والمودعين ومقدمي الائتمان، مما يرفع مخاطر سحب رؤوس الأموال أو تشديد شروط الإقراض.
وتقلبات محتملة في سعر صرف الدينار إذا صاحب التوقف هروب رؤوس أموال أو توقف تحويلات أجنبية.
الآثار على سياسات واستمرارية الخدمات العامة
والرواتب والتحويلات الجارية: من المرجح أن تُعدّ الأمور الروتينية مثل دفع الرواتب مستمرة، لكن أي تغيير في سياسة رواتب أو تعويضات عليا قد يتأجل.
المشتريات الحكومية والعقود: توقيع عقود جديدة طويلة الأجل أو تغيير شروط عقود قائمة قد يتوقّف، ما يؤثر على سلسلة التوريد وقطاع المقاولات والوظائف المرتبطة بها.
مخاطرات خاصة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي و تأخير تنفيذ مشاريع تشغيلية يفاقم البطالة ويحدّ من نشاط قطاع الإنشاءات—مخاطرة اجتماعية.
تآكل ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في قدرة الحكومة على الاستمرار في تنفيذ سياسات ثابتة.
وتراكم الاحتياجات التمويلية: تراكم القرارات المعلقة يمكن أن يؤدي إلى «قفزة ربوية» في احتياجات الإنفاق عند تشكيل الحكومة الجديدة، ما يضع ضغطًا على السوق والميزانية.
توصيات عملية فورية وقصيرة الأمد (إجرائية وممولة)
توصيات للحكومة (رئاسة الوزراء ووزارات المالية والتخطيط)
- إعداد قائمة بيضاء/سوداء للقرارات: فورًا إصدار تصنيف واضح يميّز بين: (أ) قرارات مسموح بها خلال تصريف الأعمال (روتينية، حفاظ على الخدمات)، (ب) قرارات يجب تجميدها أو إحالتها لمجلس النواب الجديد. يمكن إعداد القائمة بالتنسيق مع دائرة المستشارين القانونيين للمحكمة الاتحادية لتقليل التفسيرات المتعددة.
- محافظة على السيولة الأساسية: ضمان خطوط سيولة قصيرة الأجل لتغطية الرواتب والمشتريات الأساسية، مع تجميد جزئي للإنفاق الرأسمالي غير الضروري.
- إحالة الاتفاقيات الكبرى للنواب الجديد: أي اتفاقية تمويل أو قرض طويل الأجل يُستحسن تأجيلها أو اعتمادها مبدئيًا بشروط مؤقتة لا تلزم الدولة بإجراءات تغيير هيكلي.
- تعزيز الشفافية: نشر قائمة بالقرارات المعلقة والأسباب القانونية لتفادي إشاعات السوق.
توصيات للبرلمان القادم
جدولة سريعة للتصديق/الرفض للاتفاقيات الحرجة وتأهيل فريق تقني لتهيئة مراجعات سريعة.
الأولوية للإنعاش المالي: معالجة الاحتياجات العاجلة (رواتب، دعم اجتماعي)، مع تحديد مأخذ للإنفاق الرأسمالي حسب أولوية التشغيل.
توصيات للمؤسسات المالية والقطاع المصرفي
- تقييم المخاطر بشكل دوري، وإبلاغ العملاء الكبار عن وضعية العقود الحكومية المتوقفة، والالتزام بأطر سيولة محافظة لتجنّب أزمة ثقة.
توصيات للمانحين والدائنين الدوليين
- اعتماد إطار مؤقت لتسليم التمويل يمكن تفعيله بعد تصديق البرلمان الجديد أو عبر موافقات مخففة من السلطة التنفيذية بالاستناد إلى بنود الطوارئ.
آليات وقائية متوسطة-المدى
- إطار تشريعي طارئ: يفيد البرلمان (عند استلامه السلطة) سن مواد مؤقتة تحكم حالات «تصريف الأعمال» بحيث تكون الحدود العملية لصلاحيات الحكومة واضحة وتقلّل الحاجة للجوء القضائي المتكرر.
- بناء قدرات قانونية إدارية: تدريب فرق وزارية على آليات اتخاذ القرار أثناء الفترات الانتقالية لتسريع المعالجات القانونية والمالية.
- نظام تصنيف للقرارات الحكومية المؤثرة اقتصاديًا: قاعدة بيانات مركزية في رئاسة الوزراء تُظهر تباعية الالتزامات والتأثير المالي لكل قرار.
قرار المحكمة الاتحادية العليا يعزّز الالتزام بالدستور ويحدّ من إمكانات استغلال فترات تصريف الأعمال لتمرير قرارات تغيّر خريطة السلطات أو تقيّد الحقوق الدستورية.
لكنه بالمقابل يزيد مستوى عدم اليقين التشغيلي والمالي على الحكومة والاقتصاد إذا لم تُتخذ إجراءات تنظيمية فورية ومتكاملة.
الأهمية تكمن في التميز بين الضروري للحياة اليومية للدولة والقرارات التي تُغيّر قواعد اللعبة، وللحدّ من الأثر الاقتصادي يجب تفعيل حزمة تدابير سريعة: تصنيف القرارات، الحفاظ على سيولة أساسية، الشفافية، وتنسيق فني-قانوني بين رئاسة الوزراء والهيئات الرقابية والمجتمع الدولي.


