لماذا يفشل الدينار في الثبات؟ تفكيك إخفاق السياسة النقدية وخلل المالية العامة في العراق

لماذا يفشل الدينار في الثبات؟ تفكيك إخفاق السياسة النقدية وخلل المالية العامة في العراق
يرى التحليل أن تذبذب الدينار نتاج خلل مزدوج في السياسة النقدية والمالية، واتساع العجز، وضعف الاحتياطيات، واعتماد الدولة على النفط، ويؤكد أن الاستقرار يتطلّب إصلاحات هيكلية وتنسيقًا مؤسسيًا لا معالجات آنية....

يمثّل سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي أحد أكثر المؤشرات حساسية في الاقتصاد العراقي، لما يرتبط به من قدرة شرائية، واستقرار مالي، وتوازن أسعار السلع المستوردة.

وعلى الرغم من تثبيت السعر الرسمي من قبل البنك المركزي العراقي، فإن الواقع الاقتصادي يشير إلى قابلية السعر للتغير تبعًا لجملة من المتغيرات الاقتصادية والمالية والسياسية.

تكشف البيانات الحديثة عن تذبذب واضح في أسواق الصرف، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يتغير سعر الصرف؟ وكيف؟ ولماذا؟

الوضع الراهن لسعر الصرف والاحتياطيات والإيرادات

تُظهر المؤشرات المتاحة خلال عام 2025 أن سعر الصرف في السوق الموازي يتحرك بين 1,400 – 1,450 دينار لكل دولار، لغاية كتابة هذه المقالة ، بينما يبقى السعر الرسمي أقل بكثير من هذا المستوى.

هذا التباين يؤشر إلى وجود اختلالات حقيقية في آليات السياسة النقدية وعدم قدرتها على التحكم بسوق الصرف.

من جهة أخرى، تشير بيانات المالية العامة إلى تراجع الاحتياطيات الأجنبية إلى أقل من 95 مليار دولار، ارتفاع العجز المالي إلى أكثر من 5 مليارات دولار خلال نصف عام واحد فقط. واعتماد شبه مطلق على الإيرادات النفطية التي تجاوزت 900 مليون برميل حتى نهاية الربع الثالث 2025، لكنها تخضع لتقلبات الأسعار العالمية.

هذه المؤشرات تؤكد أن الوضع الهش في المالية العامة يشكّل ضغطًا مباشرًا على سعر الصرف وعلى قدرة البنك المركزي على التدخل المستدام.

لماذا يتغير سعر الصرف؟ العوامل المحركة

هيمنة العامل النفطي

يعتمد العراق على عائدات النفط بنسبة تتجاوز 90% من إجمالي موارد الدولة، ما يجعل أي هبوط في الأسعار أو كميات التصدير ينعكس مباشرة على: تدفقات الدولار، قوة الاحتياطيات، وقدرة المركزي على بيع العملة.

اتساع العجز المالي

يؤدي الإنفاق الحكومي المتنامي، خصوصًا الإنفاق الجاري (الرواتب والدعم)، إلى تضخّم العجز، ما يضطر الدولة إلى: السحب من الاحتياطيات، أو اللجوء لتمويلات داخلية وخارجية، أو فتح مزيد من نافذة العملة لتغطية الطلب الحكومي. جميع هذه الإجراءات تضغط على سعر الصرف وتضعف استقراره.

اختلال سوق العملة وتنامي السوق الموازي

الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي تشجع على: الاحتفاظ بالدولار، المضاربات، خروج التحويلات خارج النظام المصرفي، تقليل فاعلية السياسة النقدية.

المخاطر السياسية والأمنية

أي تذبذب سياسي أو تهديد لخطوط تصدير النفط ينعكس فورًا في زيادة الطلب على الدولار، باعتباره ملاذًا آمنًا. إخفاق السياسة النقدية وخلل المالية العامة — جوهر الأزمة

إن التدهور في استقرار سعر الصرف ليس نتيجة عرضية لظروف السوق فحسب، بل هو انعكاس مباشر لـ خلل بنيوي مزدوج في السياسة النقدية والمالية، يتجلى في النقاط التالية:

غياب سياسة نقدية فاعلة

تفقد السياسة النقدية دورها الأساسي في: ضبط التضخم، تحييد المضاربة، توفير تدفقات منتظمة للدولار، التحكم الحقيقي في سعر الصرف. بل أصبحت أداة ردّ فعل تحاول معالجة النتائج بدل الوقاية من الأسباب، نتيجة اعتمادها المفرط على نافذة بيع العملة بدلاً من آليات نقدية متقدمة.

خلل هيكلي في المالية العامة

المالية العامة أصبحت مصدر ضغط دائم على الاقتصاد بسبب: توسع الإنفاق التشغيلي، ضعف الإيرادات غير النفطية، غياب إصلاحات هيكلية، زيادة الالتزامات الحكومية دون موارد مستقرة. هذا الخلل يرفع العجز ويخلق طلبًا حكوميًا إضافيًا على الدولار، ما يزيد الضغط على سعر الصرف.

انعدام التناغم بين السياستين المالية والنقدية

بدلاً من أن تعمل السياستان النقدية والمالية بشكل منسق، تعمل كل منهما بمعزل عن الأخرى:

  • المالية العامة توسعية وغير منضبطة.
  • السياسة النقدية انكماشية في بعض الجوانب وعاجزة في جوانب أخرى.

هذه المفارقة تنتج: تذبذبًا في السيولة، ضغوطًا على الاحتياطيات، وتراجعًا في قدرة السوق على الثقة بالدينار.

سيناريوهات التغير في سعر الصرف خلال 12–24 شهرًا

السيناريو الأول — الثبات النسبي (احتمال متوسط 40%): بقاء الإيرادات النفطية ضمن مستويات مقبولة، استمرار السياسة الحالية للبنك المركزي، وتحرك السعر الموازي بين 1,350 – 1,450 دينار دون تغيير رسمي كبير.

السيناريو الثاني — تخفيض تدريجي لقيمة الدينار (احتمال 35%): ارتفاع العجز المالي، تراجع الاحتياطيات، عجز السياسة النقدية عن سد الفجوة بين الرسمي والموازي. والتخفيض قد يتراوح بين 5–15%.

السيناريو الثالث — تحسن محدود (احتمال 25%): زيادة الإيرادات النفطية، دخول تمويل دولي أو إصلاح مالي، تقليل الفجوة بين السوقين.

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية

  • ارتفاع معدلات التضخم وخاصة في السلع المستوردة.
  • تآكل القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود.
  • تعطل الأنشطة التجارية في بغداد وباقي المحافظات.
  • زيادة كلفة الاستيراد وتمويل المشاريع الحكومية.
  • تذبذب بيئة الاستثمار وانخفاض الثقة الاقتصادية.

توصيات عملية لمعالجة الاختلالات

  1. إصلاح حقيقي للمالية العامة عبر ضبط الإنفاق وتوسيع الإيرادات غير النفطية.
  2. إعادة تصميم السياسة النقدية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على نافذة بيع الدولار.
  3. تعزيز التناغم المؤسسي بين المالية العامة والبنك المركزي.
  4. رفع الشفافية في نشر البيانات المالية والنقدية.
  5. تبني برنامج إصلاح اقتصادي متوسط الأجل يضمن استدامة سعر الصرف.

خاتمة

إن مسار سعر صرف الدينار العراقي لا يُحدَّد فقط بعرض الدولار وطلبه، بل يتشكل من خلال عمق الإخفاق في السياسة النقدية، والخلل في المالية العامة، وغياب التنسيق بينهما. ولذا، فإن أي استقرار مستدام للدينار لن يتحقق عبر تدخلات آنية في السوق، بل عبر إصلاحات هيكلية تعيد بناء منظومة الاقتصاد الكلي وتضع

السياسة النقدية في موقع القيادة، لا ردّ فعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *