الإبتلاء والصبر بين امتحان الله وامتحان الجنوب

الإبتلاء والصبر بين امتحان الله وامتحان الجنوب
الابتلاء سنة إلهية ترفع الإيمان وتصقل الروح. جنوب لبنان جسّد الصبر والمقاومة أمام الحروب، فصار رمزًا للكرامة والثبات، حيث أصبح الصبر فعلًا روحيًا ومعبرًا نحو النصر، ليبقى الأمل حاضرًا رغم المحن....
منذ فجر الخليقة، كان الابتلاء سُنّة الله في عباده؛ ميزانًا للتمييز بين القلوب الصادقة والضعيفة، وبين من يعبد الله على حرف، ومن يعبده إيمانًا وتسليمًا.

قال تعالى:

«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ».

فالابتلاء في المفهوم الإسلامي ليس عقوبة، بل بابٌ للرفعة، ومِعيارٌ للثبات. إنّه يعرّي زيف الدنيا ويُظهر حقيقة الإيمان حين تتكسّر الأقنعة. ولعلّ أجمل ما يُروى أن الله تعالى إذا أحبّ عبدًا ابتلاه، ليُسمع صبره في الملأ الأعلى، وليُطهّر روحه كما تُصفّى النار الذهب من شوائبه.

الإبتلاء العام… وامتحان الأمة

كما يُبتلى الأفراد، تُبتلى الأمم أيضًا. فالأوطان تمرّ بامتحاناتها كما تمرّ الأرواح بمحنها.

وقد كُتب على لبنان، ولا سيّما جنوبه، أن يكون ميدانًا لهذا الامتحان العسير منذ خمسينيات القرن الماضي، يوم بدأ الكيان الإسرائيلي يُمدّ مخالبه في أرضٍ لم تعرف إلا الزيتون والعطاء والماء النقي.

منذ ذلك الزمن، عرفت قرى الجنوب لغة النار قبل أن تتعلّم لغة الكهرباء. كانت الطائرات تُغنّي ليلها بالقنابل، والأرض تستيقظ على أيتامٍ وأمهاتٍ يودّعن أبناءهن على عتبات الصبر.

لكن الجنوب، رغم كل هذا الألم، لم يُسقط الراية. كان كالجسد الذي ينزف ولا يموت، كالأرض التي تحترق ولا تفقد خصبها، كالشجرة التي كلّما قُطعت غصونها نبتت من جديد أكثر خضرةً وشموخًا.

الصبر في وجه النار

الإيمان لم يكن شعارًا في الجنوب، بل زادًا في الطريق الطويل نحو الكرامة. كان المزارع يحرث أرضه والعدوّ يرصد خطواته، وكانت المرأة تزرع في الحقول بيدٍ وتخفي ولدها في حضنها باليد الأخرى.

كل بيتٍ هناك صار محرابًا، وكل أمٍّ صارت زينبية القلب، وكل رجلٍ حمل في داخله صمت الحسين في كربلاء.

لم يكن الصبر مجرّد احتمالٍ للألم، بل فعل مقاومة روحية. فالصبر عند هؤلاء ليس خضوعًا، بل تحدٍّ؛ ليس استسلامًا، بل إيمانٌ بأنّ الله يختبرهم كما اختبر أنبياءه، وأنّ الفرج وعدٌ لا يُكسر.

جنوبٌ يشبه الأنبياء

الجنوب اليوم يشبه نبيًّا خرج من رحم الابتلاء.

يشبه أيوب الذي صبر على البلاء حتى صار البلاء يتيماً من بعده.

يشبه إبراهيم حين أُلقي في النار فكانت بردًا وسلامًا عليه.

يشبه زينب حين واجهت يزيد بكلمةٍ صارت سيفًا في وجه الطغيان.

ومن رحم هذا الصبر، وُلدت المقاومة.

ولدت لا لتنتقم، بل لتقول للعالم: إنّ الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بالصبر والإيمان.

وإنّ من يعرف أن الله يراه، لا يخاف من جدارٍ ولا من قصفٍ ولا من حصار.

خاتمة: الجنوب… جرحٌ يتكلم باسم السماء

إنّ الله حين يبتلي أرضًا أو شعبًا، لا يبتليه عبثًا. يبتليه ليجعله حجةً على الآخرين، ودليلاً على أن الصبر ليس ضعفًا بل بطولة الروح.

وهكذا كان لبنان وجنوبه منذ أكثر من سبعين عامًا، ميدانًا لامتحانٍ إلهيٍّ طويل، خرج منه بوجهٍ أكثر إشراقًا رغم الدماء والرماد.

لقد صبر الجنوب حتى صار اسمه مرادفًا للصبر نفسه، وابتُلي حتى صار البلاء فيه طريقًا إلى السماء.

فما أشبه هذا الوطن اليوم بآيةٍ من كتاب الله، تُتلى في كل بيتٍ حرّ، تقول:

“إنّ مع العسر يُسراً… إنّ مع العسر يُسراً.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *