القاضي فائق زيدان… بين صون الدستور واستقلال القضاء

القاضي فائق زيدان… بين صون الدستور واستقلال القضاء
أكد فائق زيدان على استقلال القضاء العراقي وضرورة احترام الدستور، رافضًا التدخلات السياسية والخارجية، وداعيًا لإصلاح متوازن للنصوص الدستورية، ما يعزز الثقة بالمؤسسات ويضمن نزاهة الانتخابات وشرعية النظام الديمقراطي في العراق....

 قراءة في خطاب رئيس مجلس القضاء الاعلى د. فائق زيدان

في توقيت بالغ الحساسية، وقبيل إجراء الانتخابات النيابية، جاءت تصريحات رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي الدكتور فائق زيدان، لتفتح مساحة واسعة من النقاش حول موقع القضاء في المشهد السياسي والدستوري العراقي، وحول الرسائل التي أراد أن يبعثها في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع ضرورات حماية الدستور.

كلمات زيدان لم تكن انفعالية ولا عابرة، بل بدت محسوبة بدقة، تؤكد أن القضاء حاضر بقوة، وأن القانون هو المرجعية الوحيدة التي تُحتكم إليها مؤسسات الدولة. فقد شدد على أن الرقابة القضائية تمارس في إطار الطعون والاعتراضات الانتخابية، دون المساس باستقلال المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ليُعيد بذلك ضبط العلاقة بين المؤسستين على أساس من التوازن والاحترام المتبادل.

في ظل تصاعد الشكوك والاتهامات بالتسييس، أراد زيدان أن يُطمئن الرأي العام إلى أن القضاء العراقي لا يخضع لأي ضغط سياسي، وأن قرارات الاستبعاد أو الطعون تستند حصراً إلى المعايير القانونية التي أقرها مجلس النواب. لم تكن رسالته دفاعاً عن القضاء فحسب، بل عن الدولة ذاتها، التي لا يمكن أن تُبنى إلا على احترام القانون والمؤسسات.

أما على الصعيد الدستوري، فقد جاءت تأكيداته بشأن احترام المدد الدستورية وتحديد آليات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، بمثابة رسالة واضحة إلى الطبقة السياسية مفادها أن الشرعية تُستمد من الدستور لا من التوافقات. فالمحكمة الاتحادية العليا، كما أوضح، ستصادق على النتائج فور استيفائها الشروط القانونية، وأن انتخاب رئيس الجمهورية يجب أن يتم بأغلبية الثلثين كما نص الدستور. تلك الإشارات لم تكن تفصيلية بقدر ما كانت تحذيرية: لا تسوية فوق النص، ولا اتفاق سياسي يعلو على الدستور.

وفي منحى آخر، تحدث زيدان عن الحاجة إلى مراجعة بعض نصوص الدستور التي كُتبت عام 2005 في ظروف استثنائية، مشيراً إلى ضرورة إصلاح متزن لا يمس جوهر النظام الديمقراطي. هنا بدا وكأنه يدعو إلى حوار وطني ناضج حول تطوير البنية الدستورية دون المساس بمرتكزات الدولة

لكن أكثر ما لفت الانتباه في تصريحاته، هو تشديده على أن اختيار رئيس الوزراء المقبل سيكون “قراراً وطنياً خالصاً”، في إشارة واضحة إلى رفض أي تدخل خارجي في القرار العراقي. كانت تلك الرسالة تتجاوز السياسة لتصل إلى جوهر السيادة الوطنية، وتضع القضاء في موقع الحارس الأول لاستقلال القرار الوطني.

بهذا المعنى، يمكن القول إن رسائل فائق زيدان كانت مزيجاً من الحزم والطمأنينة؛ حزم في الدفاع عن استقلال القضاء والدستور، وطمأنينة في تأكيد نزاهة الانتخابات وقدرة الدولة على تنظيم استحقاقها الديمقراطي وفق القواعد القانونية.

إنه خطاب يعيد الثقة بالمؤسسات، ويؤكد أن العراق ما زال يمتلك ركائز الصمود حين يحتكم إلى القانون، ويبتعد عن صخب التوافقات.

فالقضاء، كما أراد زيدان أن يذكّر الجميع، ليس طرفاً في الصراع السياسي، بل هو ميزان الدولة وهيبتها، وحين يُصان استقلاله تُصان معها شرعية النظام الديمقراطي ذاته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *