| يشكّل فوز فوز زهران ممنداني (المهاجر، المسلم، الشيعي، اليساري) بمنصب عمدة مدينة نيويورك حدثًا لافتًا في المشهد السياسي الأميركي والعالمي، ليس فقط بسبب خلفيته الثقافية والعرقية والأيديولوجية، بل بسبب موقع نيويورك ذاته بوصفها إحدى أهم المدن العالمية وأكثرها تمثيلًا لفكرة التعدد والهويات المتشابكة والتنافس بين القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويطرح هذا الحدث سؤالين مركزيين: هل يمثّل فوز ممنداني اختراقًا للنظام السياسي الأميركي بأدواته؟ أم أنه تعبير عن قدرة النظام على استيعاب الآخر المختلف ضمن بنيته القائمة؟ ثم كيف يمكن قراءة هذا الحدث من زاوية الوعي والفكر الحضاري، وتحديدًا في إطار مشروع الدولة الحضارية الحديثة؟
من المعروف أن الولايات المتحدة بُنيت على سردية كبرى تدمج بين مفهوم النجاح الفردي (الفرصة الأميركية) والاندماج في النموذج الثقافي المهيمن الذي صنعته الطبقة الأنغلوسكسونية البروتستانتية تاريخيًا. ومع توسع المجتمع الأميركي، اتسعت أشكال التعدد، لكن هذه التعددية بقيت مشروطة بحدود لا تمس البنية العميقة للسلطة ولا المصالح الكبرى لرأس المال والشركات الكبرى والمؤسسة الأمنية. ضمن هذه المعادلة، كان بالإمكان صعود أفراد من خلفيات مهاجرة أو غير أوروبية، لكن بشرط أن يتحولوا إلى جزء من السردية الأميركية ذاتها، لا أن يقدموا سردية بديلة تنافسها. فوز ممنداني لا يخرج عن هذه القاعدة في شكله الأول: إذ وصل إلى الموقع عبر أدوات النظام نفسه؛ عبر الانتخابات، العمل المجتمعي، التحالفات الحزبية المحلية، والحشد الاجتماعي المرتكز على خطاب العدالة الاجتماعية. لكنه في الوقت ذاته لا يشبه النموذج التقليدي للمهاجر الذي يتم “تذويبه” ثقافيًا لصالح النموذج السائد. فهو يعلن انتماءه إلى هويته المركّبة، ويطرح خطابًا نقديًا تجاه قضايا الطبقية والتمييز والعلاقة بين السياسة الخارجية والداخلية. وهذا يضعه في موقع مختلف: موقع “الاختراق من داخل النظام”، لا موقع “الانصهار داخله”. مع ذلك، لا يمكن الحكم بأن صعود ممنداني يعبّر عن تحول جوهري في بنية النظام السياسي الأميركي. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الوصول إلى المنصب. هنا يواجه ممنداني الحدود غير المرئية التي تصنع الفارق بين السلطة الشكلية والسلطة الحقيقية. أي بين إدارة المدينة بوصفها جهاز خدمات وبين إدارة التوجه الاقتصادي والأمني والإعلامي الذي تتحكم به مراكز النفوذ العميقة. فإذا نجح ممنداني في الحفاظ على خطه السياسي دون أن يُدفع إلى التنازل أو إعادة التموضع أو الاندماج في السردية السائدة، يمكن اعتبار الحدث مؤشرًا على تحوّل ثقافي يتجاوز الرمزية. أما إذا جرى احتواؤه تدريجيًا، فسيُعاد إنتاج دوره ضمن هامش التزيين الديمقراطي الذي يمنح صورة “الانفتاح” دون تغيير جوهر موازين القوة. من منظور الفلسفة الحضارية الحديثة، تبرز نقطة فاصلة لفهم هذا الحدث. الدولة الحضارية الحديثة، في تعريفها الجوهري، هي الدولة التي تُحوِّل التنوع إلى طاقة إنتاج حضاري، لا مجرد تنوع للزينة أو الشرعية السياسية. هي دولة تستوعب الآخر بوصفه مساهمًا في إنتاج الوعي والمصالح والقيم المشتركة، لا بوصفه فردًا يُسمح له بالمشاركة ما دام لا يمس النظام أو يغيّر موقع القوة فيه. أي أنّ الاستيعاب الحضاري يختلف عن الاستيعاب السياسي. الأول جوهري، والثاني وظيفي. في الولايات المتحدة، يجري الاستيعاب غالبًا بصيغته الوظيفية. يسمح النظام بظهور وجوه جديدة، لكنه يحتفظ بالثوابت الكبرى التي تحدد المسار السياسي داخليًا وخارجيًا. أما في الدولة الحضارية الحديثة، فالتنوع ليس وظيفة بل مبدأ تأسيسي يقوم على ثنائية: احترام الاختلاف + إدارة المصالح العامة بعدالة ومساواة. أي أن معيار النجاح ليس في وصول فرد من الأقلية إلى منصب رفيع، بل في تغيير قواعد إنتاج السلطة والثروة والمعنى بما يجعل الجميع شركاء حقيقيين لا رمزيين. من هنا، فإن فوز ممنداني لا يمكن اعتباره انتصارًا حضاريًا مكتملًا، لكنه مؤشر على التحول التدريجي في الوعي العام العالمي تجاه إعادة تعريف الهوية السياسية. فالوعي السياسي المعاصر يتحرك نحو واقع جديد: لم تعد الهوية القومية أو العرقية وحدها قادرة على تحديد موقع الفرد داخل المجال العام. هناك صعود تدريجي لهوية سياسية أكثر اتساعًا: هوية ترتكز على القيم، على العدالة الاجتماعية، وعلى مفهوم الإنسان كذات فاعلة في التغيير. إن الدرس الأهم في هذا الحدث ليس الاحتفاء به ولا نفيه، بل النظر إليه كحلقة في سلسلة طويلة من التحولات التاريخية التي تعيد تشكيل معنى الانتماء السياسي في العالم المعاصر. وفي هذا السياق، يبدو واضحًا أن رحلة العالم نحو نموذج الدولة الحضارية الحديثة ما تزال في بدايتها. وممنداني يمثّل لحظة من لحظات هذه الرحلة، لا محطتها النهائية. |


