العراق بعد (2003) قراءة نقدية في العملية السياسية وتاريخ الاقتصاد الوطني بين النهوض والانهيار

العراق بعد (2003) قراءة نقدية في العملية السياسية وتاريخ الاقتصاد الوطني بين النهوض والانهيار
يُبرز الواقع بعد 2003 تدهوراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وبيئياً في العراق، بسبب المحاصصة والفساد وضعف الدولة، مع انهيار الصناعة والزراعة وتفاقم الأزمات. ويؤكد ضرورة إصلاح شامل يُعيد بناء الدولة على المواطنة والتنمية والاستدامة....

المقدمة

منذ عام (2003) دخل العراق مرحلةً جديدةً من تاريخه السياسي إثر سقوط النظام السابق بفعل التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة ، وقد رُوّج لهذا التحول على أنه بدايةً لعهدٍ ديمقراطيٍ يضمن الحقوق والحريات ويؤسس لدولة مؤسسات حديثة ، غير أن الواقع أثبت أن العملية السياسية التي نشأت بعد الاحتلال اتسمت بالهشاشة البنيوية ، والتبعية الخارجية ، والانقسامات الداخلية ، مما جعلها عاجزة عن تحقيق تطلعات العراقيين في الأمن والاستقرار والتنمية.

لقد أُعيد تشكيل النظام السياسي على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية ، بدلاً من المواطنة والكفاءة ، مما أدى إلى تفكك الدولة وتراجع دورها في إدارة الشأن العام ، ومع مرور أكثر من عقدين على هذا التحول ، بات من الضروري إجراء مراجعة نقدية شاملة لهذه التجربة ، من خلال تحليل محاور التدهور الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ، والفساد الإداري والمالي ، إلى جانب استعراض تاريخ الصناعة والزراعة في العراق ، واقتراح طرائق واقعية للمعالجة.

أولاً : التدهور الاقتصادي:

يعاني الاقتصاد العراقي من اختلالات هيكلية عميقة ، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات ، بنسبة تفوق (90% من الموازنة العامة) ، وهذا الاعتماد جعل الاقتصاد عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية ، وأفقده القدرة على التخطيط المستدام ، فكلما انخفضت أسعار النفط ، دخلت الدولة في أزمة مالية خانقة ، تؤثر مباشرة على الرواتب والخدمات والمشاريع .

كما أن غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد أدى إلى تهميش القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والسياحة .

فالعراق الذي كان يُعرف تاريخياً بأنه بلد زراعي (بلد السواد) ، بات يستورد معظم غذائه من الخارج ، أما الصناعة ، فقد انهارت بفعل الإهمال والفساد ، وتحولت المصانع إلى هياكل مهجورة.

من جهة أخرى ، شهدت الوظيفة العامة تضخماً غير مدروس ، إذ  تم تعيين مئات الآلاف من الموظفين لأغراض سياسية وانتخابية بحته ، مما أثقل كاهل الموازنة التشغيلية.

ووفقاً لتقارير البنك الدولي، فإن نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت (25%) فيما يعيش أكثر من (22%) من السكان تحت خط الفقر، وهي مؤشرات تعكس فشل السياسات الاقتصادية في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

ثانياً : التدهور الاجتماعي :

أدى عدم الاستقرار السياسي ، والنزاعات المسلحة ، والفساد ، إلى تفكك النسيج الاجتماعي العراقي.

فقد تصاعدت النزعات الطائفية والعرقية ، على حساب الهوية الوطنية الجامعة ، مما أدى إلى انقسامات حادة في المجتمع.

وأصبحت الولاءات الحزبية والطائفية تتفوق على الانتماء للوطن، وهو ما انعكس في الخطاب الإعلامي والسياسي ، وحتى في توزيع الوظائف والخدمات.

كما وشهد العراق موجات هجرة داخلية وخارجية واسعة ، خصوصاً بين الكفاءات العلمية والأكاديمية ، ما أدى الى أفرغ البلاد من جزء مهم من (رأس المال البشري) الذي يطور بطبيعته البلدان التي تهتم بالمحافظة عليه كاليابان مثلاً التي تفتقر للموارد الطبيعية لكنها غنية برأس المال البشري ، فالمئات من الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين غادروا البلاد بحثاً عن بيئة آمنة ومستقرة ، مما أثر سلباً على جودة الخدمات العامة ، كالخدمات الصحية والتعليمية التي تراجعت بشكل كبير .

إذ أصبحت المستشفيات تعاني من نقص الأدوية والمعدات ، والمدارس تعاني من الاكتظاظ وضعف المناهج أيضاً ، ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فإن ترتيب العراق في مؤشر التنمية البشرية شهد تراجعاً مستمراً ، وهو ما يعكس فشل الدولة في توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

ثالثاً : التدهور البيئي :

إن البيئة العراقية تعرضت لتدهوراً خطيراً ما بعد عام 2003 ، نتيجةً لغياب السياسات البيئية الفعالة ، وضعف الرقابة الحكومية ، وتفاقم الأزمات المناخية.

فشح المياه وتلوث الأنهار ، خاصةً في نهري دجلة والفرات، أصبحا من أبرز التحديات، بفعل السياسات المائية المجحفة من دول الجوار، وعدم وجود استراتيجية وطنية لإدارة الموارد المائية.

كما أن الحرق العشوائي للغاز المصاحب للنفط ، وانتشار النفايات الصناعية ، أدى إلى تلوث الهواء وارتفاع معدلات الأمراض التنفسية والسرطانية، خصوصاً في مناطق الجنوب ، فضلاً عن التصحر الذي زحف على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ، نتيجة الإهمال وتغير المناخ، مما هدد الأمن الغذائي بشكل مباشر ، وغير ذلك تفتيت العديد من الأراضي الزراعية وتحويلها الى مجمعات سكنية واسعة والغريب هو قرار مجلس الوزراء الأخير بتحويل جنس الأراضي الزراعية الى سكنية في بغداد والمحافظات ، وهذا القرار سيهدد جميع الأراضي الزراعية المتبقية بالانقراض ، إذ ستتسابق الأحزاب السياسية صاحبة المال السياسي السائب باستملاك الأراضي الزراعية وتحويلها الى مجمعات سكنية استثمارية لتغطية عملية غسيل الأموال بصورة شرعية وتحت أنظار الحكومة المركزية ، وكأنها قد أعطتها الضوء الأخضر للبدأ بعمليات جديدة وبصورة قانونية (100%) !!!! .

ورغم هذا وذاك كانت محافظة البصرة، على سبيل المثال قد شهدت في عام (2018) أزمة مياه حادة ، أدت إلى إصابة آلاف المواطنين بالتسمم إذ وصل العدد الى أكثر من (113 ألف مواطن) ، نتيجة تلوث المياه وعدم وجود محطات معالجة فعالة ، هذه الأزمة كشفت هشاشة البنية التحتية البيئية، وغياب التخطيط الاستراتيجي في هذا المجال الحيوي ، واليوم تعيش محافظة البصرة نفس الأزمة السابقة مقابل صمت حكومي مطبق ، وكأنما الأمر لا يعنيهم ، فتركت بذلك المواطن البصري يصارع الأزمات واحدة تلوى الأخرى .

رابعاً : الفساد الإداري والمالي:

الفساد يُعد التحدي الأكبر للعملية السياسية في العراق، إذ صنفت منظمة الشفافية الدولية العراق ضمن أكثر الدول فساداً في العالم منذ عام (2003)  هذا الفساد لم يكن مجرد حالات فردية، بل أصبح منظومةً متكاملة تخترق جميع مفاصل الدولة ، من العقود والمناقصات ، إلى التعيينات والتحويلات المالية.

إذ أن ملايين الدولارات قد أُهدرت على مشاريع متلكئة أو وهمية ، مثل المشاريع السكنية، ومشاريع الكهرباء والماء ، فيما بقيت البنية التحتية متردية ، والخدمات الأساسية شبه معدومة في كثير من المناطق ، فالمواطن قد فقد ثقته بالدولة ومؤسساتها ، وأصبح يرى في الوظيفة العامة وسيلة للثراء السريع ، لا لخدمة المجتمع.

فالفساد أيضاً قد أعاق الاستثمار ، إذ  يخشى المستثمرون وخصوصاً الشركات الأجنبية من الدخول في بيئة غير شفافة وغير مستقرة ، تفتقر إلى الضمانات القانونية ، كما أن المحاصصة الحزبية جعلت المناصب تُمنح على أساس الولاء لا على أساس الكفاءة ، مما أدى إلى تراجع الأداء المؤسسي بشكل عام.

خامساً : تاريخ الصناعة في العراق وأبرز الصناعات التصديرية

شهد العراق خلال العهد الملكي نهضة صناعية واعدة ، إذ  تأسست شركات وطنية في مجالات (النسيج ، الأغذية، الزيوت، والإسمنت) ومع تأسيس مجلس الإعمار في الخمسينيات ، تم إطلاق مشاريع صناعية استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الصادرات.

في الستينيات والسبعينيات ، تم إنشاء مصانع ضخمة في مجالات (النسيج والجلود، الصناعات الغذائية، البتروكيماويات، والإسمنت)  وكانت منتجاتها تُصدّر إلى دول الخليج وأوروبا الشرقية ، لكن هذه القاعدة الصناعية بدأت بالتراجع تدريجياً بسبب الحروب والحصار، ثم انهارت بعد 2003 نتيجة الفوضى والفساد.

سادساً :  الزراعة في العراق منذ العهد الملكي وأبرز المنتجات التصديرية :

العراق يُعد من أقدم البلدان الزراعية في التاريخ ، وخلال العهد الملكي كانت الزراعة تشكل العمود الفقري للاقتصاد ، تمور العراق كانت تُصدّر إلى أكثر من 30 دولة ، والقطن والحنطة والفواكه العراقية كانت تُعرف بجودتها العالية.

في الستينيات والسبعينيات، أُطلقت مشاريع الإصلاح الزراعي والسدود لدعم الزراعة المروية ، لكن القطاع الزراعي تراجع بفعل الحروب ، الحصار، وشح المياه ، وأصبح العراق يستورد معظم غذائه  من دول الجوار ، ومع ذلك، لا تزال الإمكانيات الزراعية قائمة ، وتحتاج إلى دعم حكومي واستثمار علمي لإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي.

سابعاً : طرائق المعالجة :

رغم تعقيد المشهد، إلا أن هناك إمكانيات واقعية للإصلاح ، إذا توفرت الإرادة السياسية والضغط الشعبي ، ومن أبرز طرائق المعالجة المقترحة هي كالتالي :

1 -. الإصلاح السياسي:

أ-. إعادة صياغة النظام السياسي على أسس المواطنة والكفاءة.

ب -. العمل على إنهاء المحاصصة الطائفية والحزبية.

2-. الإصلاح الاقتصادي:

أ-. تنويع مصادر الدخل عبر دعم الزراعة والصناعة.

ب-. تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.

ج-. تطوير قطاع الطاقة المتجددة، وتفعيل دور القطاع الخاص.

3-. المعالجة الاجتماعية:

أ-. إطلاق برامج مصالحة وطنية شاملة.

ب-. تعزيز الهوية الوطنية العراقية الجامعة عبر المناهج التعليمية والإعلام.

4-. المعالجة البيئية:

أ-. وضع استراتيجية وطنية لإدارة الموارد المائية.

ب-. تشجيع مشاريع التحلية ومعالجة الصرف الصحي.

ج-. تشجير المناطق المتصحرة، وتشديد الرقابة البيئية.

5-. مكافحة الفساد:

أ-. تفعيل الأجهزة الرقابية والقضائية بشكل مستقل.

ب-. تطبيق مبدأ “من أين لك هذا”

ثامناً : الخاتمة:

إن قراءة الواقع العراقي بعد عام (2003) تكشف عن مفارقة مؤلمة : بلد يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وتاريخاً حضارياً عريقاً، وكفاءات بشرية متميزة ، لكنه يعيش في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية ، فلقد أفرغت العملية السياسية من مضمونها الإصلاحي ، وتحولت إلى منظومة مغلقة تُعيد إنتاج الفشل، وتُكرّس الانقسام ، وتُغذّي الفساد.

في المقابل، يستحق العراق أن يُدار برؤية وطنية شاملة ، تستند إلى إرادة سياسية مستقلة ، ومشروع تنموي حقيقي ، يعيد الاعتبار للصناعة والزراعة ، ويستثمر في الإنسان ، ويُعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والكفاءة ، فالتاريخ يُظهر أن العراق كان قادراً على الإنتاج والتصدير ، وعلى بناء مؤسسات قوية ، حين توفرت له القيادة الرشيدة والبيئة المستقرة.

إن مستقبل العراق لا يُصنع بالوعود والشعارات ،  بل بالإصلاح الجذري ، والمحاسبة الجادة ، والمشاركة الشعبية الواعية ، وبين أنقاض الماضي وفرص الحاضر، يبقى الأمل قائماً في أن يستعيد العراق مكانته التي يستحقها، كدولة ذات سيادة، واقتصاد منتج، ومجتمع متماسك ، وبيئة آمنة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *