الصين تبني جسوراً… ونحن نبني فلاشات!

الصين تبني جسوراً… ونحن نبني فلاشات!
تُبرز المقارنة فجوةً بين استثمار الصين في البنية والعقل، واعتماد الساحة السياسية المحليّة على العروض البصرية والاحتفالات الانتخابية، حيث تُستبدل الخطط بالإعلانات، والتنمية بالوهم، بينما يبقى الواقع بلا خدمات ولا إصلاح حقيقي...
الصين دولة تحب البناء (تحب الجسور، تحب الأنفاق، تحب المشاريع العملاقة تعشق الأرقام القياسية) فتبني (أطول جسر في العالم ، وأعلى جسر ، وأكبر محطة تحلية ، وأسرع قطار).

أما نحن في بلدي  فنحب الأشياء اللامعة ، نحب الألوان التي تلمع في السماء ، نحب اللوحات الضخمة التي فيها ابتسامة (المرشح) بزاوية مدروسة هندسياً… ليس من أجل التنمية ، بل من أجل جذب الإعجابات على فيسبوك والقلوب الحمراء في التكتوك .

الصين بنت (جسر دانيانغ–كونشان بطول 165 كيلومتر)  ونحن بنينا جسراً بين المرشح والمواطن… من خلال الليزر .

الصين بنت (جسر بيبانجيانغ) أعلى جسر معلق في العالم ، ونحن علقنا (صور المرشحين على الجسور) . الصين تضع خططًا خمسية ، ونحن نضع… بوسترات خمس أمتار !.

أحزابنا تتعاقد مع شركات صينية فعلاً ، ولكن ليس لبناء محطات تحلية ولا تطوير الكهرباء ، بل لإطلاق (حفل ألعاب نارية انتخابي) يظهر في الفيديو وكأنه افتتاح الألعاب الأولمبية . المنطق بسيط (إذا لم نتمكن من تحسين الأرض… نحسن السماء!).

المرشح يقف بابتسامة واثقة والموسيقى تعلو ، والألعاب النارية تشتعل ، والناس تصفق ، وفي آخر العرض (يختفي كل شيء… إلا الحفر والوعود والذكريات).

الصين تستثمر في (العقل) نحن نستثمر في (الإنبهار البصري).

المواطن البسيط يقف وينظر إلى المشهد ويقول بصوت مليء بالأمل (شوف شكد يصرف! أكيد نيته طيبة!) .

((وكأن البذخ دليل النزاهة))

وبعد انتهاء الاحتفال يتفاجأ الناس بأن الشوارع لم تتغير ، والماء ما زال مالحاً ، والكهرباء كما هي لكن لا بأس ، فالصور جميلة والحفل كان ممتعاً .

الصين تحسب تكلفة المشاريع (بعقلانية) ونحن نحسب (أصوات الناخبين… بعدد الصواريخ النارية) . الصين تقول (لننتج أكثر) ، ونحن نقول  (لنظهر أكثر) .

الصين تبني (مستقبلاً) ونحن نبني (مزاجاً انتخابياً) وفي نهاية كل دورة انتخابية يتبين أن أقوى مشروع نفذناه كان

(تنظيم الحملة الانتخابية… وليس برنامجها)!!

الصين تبني (دولة) ونحن نبني (دعاية) .

في المَجَالِسْ يدّعي حُبَّ البلادِ كُلُّ قَومٍ مُلتَزِمْ فإذا جاءَ العملْ صَارَتْ وعودُهُمُ “سَنَفْعَلُ… ثُمَّ نَنْتَظِمْ” يقرؤونَ الخُطَبَ الكُبرى وكُلُّ حرفٍ مُبهَمٍ فإذا سُئلوا عن معنى الخطابِ ، أجابَ واحدُهم: “ابتسِمْ” يَعِدونَ الشعبَ إصلاحاً ، وإصلاحُهُمُ في الحُلمِ كلُّ شيءٍ عندهم جمعٌ لِخُطبٍ دونَ جمعِ للعِلمْ.

إن تحدّثتَ عن الفقرِ ، قالوا: الصَّبرُ بابُ النِّعمِ وإن تحدّثتَ عن النفطِ ، قالوا: الخيرُ في القادمِ ، نعمْ كُلُّ يومٍ ينسجونَ الخططَ العَظْمى كأنَّ الأمرَ رسمْ ثُمَّ ينسَوْنَ الخُططْ حينَ يرونَ الكُرسيَّ مِنْ ذَهَبٍ يُرسَمْ

فدَعِ الأمجادَ لفظاً، واطلبِ الفعلَ المُلتَزِمْ فالوطنْ لا يرتقي بالشعرِ… بل بمن سارَ وخدمْ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *