| تُظهر خسارة هذا العدد الكبير من شيوخ العشائر البارزين في انتخابات مجلس النواب العراقي 2025 (من شمر والعبيد والجبور وبني تميم وبني لام وغيرها) أنّ الاسم العشائري، بوصفه بطاقة انتخابية شبه مضمونة، لم يعد كافيًا في المشهد العراقي الجديد. يأتي ذلك في سياق انتخابات اتّسمت بارتفاع نسبي في نسبة المشاركة، وبروز ائتلافات حزبية كبيرة في الصدارة، وفي مقدمتها تحالف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، من دون أن يتمكّن أي طرف من حصد أغلبية مريحة، ما أعاد إنتاج منطق التحالفات المعقّد الذي عرفته دورات سابقة.
في خلفية هذه النتائج، برز عاملان بنيويان أثّرا مباشرة في مكانة الشيخ العشائري: الأول، تضخّم “الآلة الحزبية والتنظيمية” عند القوى الشيعية الرئيسة وحلفائها من القوى السنية والكردية؛ والثاني، تحوّل سلوك الناخب نفسه، خاصة الشباب، من التصويت للوجاهة التقليدية إلى التصويت لمن يَعِد بالخدمة والفرصة والعمل. تقارير عدّة عن الانتخابات تشير إلى أنّ ما يقارب 40٪ من المرشحين في انتخابات 2025 هم من الفئة العمرية دون الأربعين، وأنّ جزءًا معتبرًا منهم يقدّم نفسه بوصفه بديلاً عن “النخب الطائفية والعشائرية القديمة” السائدة منذ 2003. من جهة أخرى، ترصد تقارير ميدانية وإعلامية جدلًا واسعًا حول دور العشائر في الانتخابات: هل نحن أمام تراجع حقيقي لنفوذها، أم أمام عملية “تكيف” تُغيّر فقط أدوات تأثيرها؟ تقارير تلفزيونية وتحليلات سياسية عن سير الاقتراع في المحافظات الغربية والجنوبية تؤكد أنّ نفوذ العشائر لم يختفِ بالكامل، لكنّه لم يعد قادرًا على ترجمة رمزيته التاريخية إلى مقاعد مضمونة في البرلمان، كما كان يُفترض في دورات سابقة. المشهد الجديد لا يعني انتهاء العشيرة بوصفها إطارًا اجتماعيًا، بل يعني انتقال النفوذ من “الشيخ التقليدي” إلى “الشيخ المُسَيَّس” أو “رجل الأعمال السياسي”. ففي عدد من الدوائر، حلّ محلّ شيخ المشيخة مرشحٌ من داخل العشيرة نفسها، لكنّه أقرب إلى الأحزاب أو يمتلك شبكة اقتصادية – خدماتية واسعة، أو ينتمي إلى جيل أصغر يجيد لغة الحملات الحديثة والإعلام الاجتماعي. بعض المقالات التحليلية عن حملة 2025 وصفت هذا التحول بعبارة: “تقدّم التاجر وربطة العنق إلى الواجهة، وتراجع العقال خطوة إلى الخلف؛ لم يعد المال خفيًا في المشهد، بل صار هو المشهد ذاته”، في إشارة صريحة إلى صعود رجال الأعمال بوصفهم ممثلين سياسيين جدد، على حساب شيوخ العشائر التقليديين. على المستوى الطائفي والمناطقي، تظهر قراءات أولية لنتائج الاقتراع أنّ الخسارة لم تكن حكرًا على شيوخ عشائر المكوّن السني أو الشيعي، بل طالت الطرفين معًا. تحليلات متخصصة لخريطة الكتل السنية في انتخابات 2025 تشير إلى تزاحم الزعامات وتعدّد التحالفات، وتقدّم تكتلات حزبية – مالية على حساب الرموز العشائرية التقليدية، خاصة في المحافظات الغربية والشمالية، حيث تنافست كتل تحمل عناوين الإعمار والتنمية، وتقدم، وتحالفات محلية جديدة، مع محاولات لقوى كردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني لاختراق بعض الدوائر السنية. في الجنوب أيضًا، ورغم ثقل الإطار التنسيقي الشيعي وتحالفات قوى المقاومة، لم تسعف “الوجاهة العشائرية” عددًا من شيوخ العشائر المعروفين في الاحتفاظ بمقاعدهم أو الحصول على مقاعد جديدة، لصالح مرشحين مدعومين بآلات حزبية أكثر انضباطًا، أو قائمات محلية ذات خطاب خدماتي واضح في ملفات الماء والكهرباء والوظائف ومكافحة الفساد. هذا يتقاطع مع تحليلات صدرت عن مراكز أبحاث إقليمية رصدت مبكرًا أن انتخابات 2025 ستكون اختبارًا لتوازنٍ جديد بين “الشرعية العشائرية” و”الشرعية الحزبية – الخدماتية”، في ظل تعديلات قانون الانتخابات وتقييد سقوف الإنفاق الدعائي ومحاولة ضبط المال السياسي. العامل الشبابي، مرة أخرى، حاضر بقوة في تفسير سقوط هذا الجيل من الشيوخ. الشريحة الشبابية التي انخرط جزء منها في الاحتجاجات منذ 2019، وجزء آخر في مبادرات ترشّح مستقلة أو شبه مستقلة، نظرت إلى الكثير من الوجوه العشائرية بوصفها جزءًا من “النظام السياسي القديم”، لا بوصفها حاملاً لمشروع جديد. مقالات وتقارير صادرة عن منصّات بحثية وإعلامية غربية وعربية تتحدث عن جيل شاب “منقسم بين المقاطعة والمشاركة”، لكنه في الحالتين يميل إلى تحميل النخب التقليدية – بما فيها الزعامات العشائرية – مسؤولية انسداد الأفق السياسي وتدهور الخدمات. إلى جانب ذلك، تلعب الماليات الانتخابية والتحالفات غير العشائرية دورًا حاسمًا؛ فالتقارير التي تناولت الاستعدادات للانتخابات، بما في ذلك لوائح المفوضية حول سقوف الإنفاق، وكذلك التسريبات عن زيارات مسؤولين إقليميين إلى بغداد لضبط إيقاع الإطار التنسيقي وتحالفاته، تشير إلى أن التنافس الفعلي بات بين كتل منظّمة تمتلك تمويلاً ضخماً وشبكات نفوذ متداخلة، أكثر منه بين أفراد يستندون إلى مكانة اجتماعية أو دينية فقط. في هذه المعادلة الجديدة، يجد الشيخ التقليدي نفسه مكشوفًا أمام ماكينة حزبية – مالية عابرة للعشيرة والمدينة أحيانًا. خلاصة الأمر أنّ خسارة هذا العدد من شيوخ العشائر في انتخابات 2025 هو مؤشر على تحوّل بنيوي في السياسة العراقية يمكن تلخيصه في النقاط التالية:1.بداية نهاية نموذج “الشيخ السياسي التقليدي” الذي يكفيه اسمه ومشيخته للوصول إلى البرلمان. 2.صعود نموذج “السياسي الحزبي – الخدماتي” و”رجل الأعمال السياسي” كبديل انتخابي أكثر قدرة على استثمار المال والتنظيم والإعلام. 3.استمرار حضور العشيرة كإطار اجتماعي ضاغط، مع تراجع احتكار بيت المشيخة للتمثيل السياسي داخل العشيرة ذاتها. 4.تحوّل في سلوك الناخبين، خاصة الشباب، نحو تصويت أكثر براغماتية وأقل خضوعًا للانضباط العشائري الصارم. 5.إعادة توزيع النفوذ داخل المكوّنات السنية والشيعية والكردية، بحيث تؤول القوة الفعلية إلى الكتل الأكثر تنظيمًا وقدرة على بناء تحالفات ما بعد الاقتراع، أكثر من الزعامات الفردية، مهما علا رصيدها الاجتماعي أو الرمزي. بهذا المعنى، يمكن توصيف انتخابات 2025 بأنها الاستحقاق الذي وجّه الضربة الأوضح حتى الآن لـ“الشيخ الانتخابي”، من دون أن يعني ذلك اختفاء العشيرة من السياسة، بل تحوّلها إلى ساحة تنافس بين لاعبين جدد يستخدمون اسم العشيرة، لكنّهم يتحركون بمنطق السوق السياسي والحزبي، لا بمنطق المشيخة التقليدية. |


