المعلن والمخفي في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب

المعلن والمخفي في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب
تعيد استراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب عام 2026 تعريف التهديدات بمنطق أمريكي توسعي يربط الإرهاب بالهجرة والكارتلات والخصوم الأيديولوجيين، مع التركيز على الضربات الانتقائية وحماية السيادة الأمريكية، ما يمنح واشنطن مرونة واسعة للتدخل وإعادة تشكيل خرائط النفوذ عالميًا....

صدرت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام ٢٠٢٦ عن البيت الأبيض في أيار/مايو ٢٠٢٦ ، وقدّمها الرئيس دونالد ترامب بتصدير رئاسي يحمل نبرة سياسية حادّة، لا بوصفها تحديثاً بيروقراطياً في سياسات الأمن القومي، بل إعلاناً عن عودة أمريكا إلى ما تسميه الوثيقة: (أمريكا أولاً) و(السلام من خلال القوة).

تقع الوثيقة في ستة عشر صفحة، لكنها مكتوبة بكثافة خطابية تفوق حجمها؛ فهي لا تعرض برنامجاً لمكافحة الإرهاب فقط، بل تعيد تعريف الإرهاب، وترتيب الأولويات الجغرافية، وتحديد الأعداء، وتقديم نسخة ترامبية صلبة من وظيفة الدولة الأمريكية في الداخل والخارج.

الوثيقة في عبارتها الأكثر عنفاً ووضوحاً، يختم ترامب تصديره بالقول: (سوف نعثر عليكم، وسوف نقتلكم) ؛ وهي ليست جملة عابرة، بل مفتاح لفهم الروح العقابية التي تسكن الوثيقة من أولها إلى آخرها.

تزداد هذه الروح وضوحاً حين تؤكد الوثيقة في موضع آخر أن مهمة هياكل مكافحة الإرهاب الأمريكية هي تحديد الجماعات التي تملك النية والقدرة على مهاجمة الأمريكيين ثم (تحييدها) ، وهو تعبير تقني بارد يخفي تحته فلسفة كاملة في تحويل الخصم إلى هدف قابل للإزالة.

ليست أخطر الاستراتيجيات تلك التي تعلن الحرب، بل تلك التي تعيد تسمية العالم بحيث تصبح الحرب نتيجة لغوية طبيعية، وهذا بالضبط ما تفعله وثيقة مكافحة الإرهاب الأمريكية لعام ٢٠٢٦، فإنها لا تكتفي بتحديد من يهدد الولايات المتحدة، بل تعيد تشكيل قاموس التهديد

ذاته: الكارتل يصبح إرهاباً، الفنتانيل يصبح قريباً من منطق أسلحة الدمار الشامل، الهجرة تتحول إلى قناة اختراق، الجوار الأمريكي يصبح مجالاً حيويًا للضرب والتأديب، والشرق الأوسط لا يعود مركز العالم، لكنه يبقى مستودعاً للخطر حين يتصل بإيران أو بالإسلام السياسي أو بأمن إسرائيل أو بالممرات البحرية.

هنا لا نكون أمام استراتيجية أمنية بالمعنى التقليدي، بل أمام وثيقة لإعادة هندسة الخوف؛ والخوف، حين تكتبه قوة عظمى، لا يبقى شعوراً، بل يتحول إلى خرائط وقواعد اشتباك وعقوبات وتصنيفات وضربات وطائرات مسيّرة وقرارات سيادية تُنتزع من دول أضعف.

المعلن في الوثيقة واضح وصارم: حماية الأمريكيين في الداخل والخارج، منع الهجمات قبل وقوعها، قطع التمويل والتجنيد والتسليح، وتدمير الجماعات التي تمتلك النية والقدرة على استهداف الولايات المتحدة، لكن الجديد ليس في هذا القدر؛ فكل الاستراتيجيات الأمريكية منذ ١١ أيلول تحدثت بهذه اللغة.

الجديد الحقيقي يكمن في قلب الهرم، فلم تعد القاعدة وداعش وحدهما عنوان الحرب، بل صارت الاستراتيجية تتحدث عن ثلاثة تهديدات كبرى: الناركو – إرهاب والعصابات العابرة للحدود، الإرهاب الإسلامي التقليدي، والتطرف اليساري العنيف.

هذا التحول ليس تفصيلاً اصطلاحياً، بل انقلاب في مركز الثقل، فترامب ينقل مكافحة الإرهاب من فضاء “الحرب العالمية على الإرهاب” إلى فضاء “حماية الداخل الأمريكي” ، ويجعل الحدود والمخدرات والهجرة والخصوم الأيديولوجيين جزءاً من المسرح نفسه الذي كانت تحتله القاعدة وداعش، لذلك لا تبدو عبارة الوثيقة التي تقول إن أمريكا يجب أن تحمي نفسها من (الغزو، ليس فقط من الهجرة غير المنضبطة، بل من التهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب والمخدرات والتجسس والاتجار بالبشر)، مجرد توصيف أمني، بل صياغة أيديولوجية تجعل الحدود الأمريكية خط الدفاع الأول عن الهوية والقوة والسيادة.

بهذا المعنى، تعلن الوثيقة نهاية النسخة الليبرالية من مكافحة الإرهاب، فلم تعد واشنطن تتحدث كثيراً عن بناء الدول، ولا عن تحويل المجتمعات، ولا عن نشر الديمقراطية، ولا عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورة المشروع الأمريكي كما حلمت إدارة بوش الابن.

النسخة الجديدة أكثر جفافاً وخشونة: أمريكا لا تريد أن تبني العالم، بل تريد أن تضرب من يقترب من أمنها، وأن تجعل الآخرين يدفعون كلفة الحراسة، إنها إمبراطورية لا تعتذر عن قوتها، لكنها تريدها أقل كلفة وأكثر انتقائية: ضربات قصيرة وعالية الكثافة، عمليات خاصة، عقوبات مالية، حرب سيبرانية، تصنيفات إرهابية، وتفويض أكبر للشركاء المحليين.

الانسحاب هنا لا يعني الغياب؛ إنما يعني الانتقال من الاحتلال الثقيل إلى التحكم الخفيف، ومن القاعدة العسكرية الظاهرة إلى شبكة النفوذ التي تملك السماء والمعلومة والتصنيف والقدرة على العقاب.

الأكثر لفتاً أن الوثيقة تجعل نصف الكرة الغربي، لا الشرق الأوسط، أولوية أولى، فهذه لحظة استراتيجية مهمة.

الولايات المتحدة تقول إن أمنها يبدأ من مجالها القريب: الكارتلات، فنزويلا، المخدرات، شبكات التهريب، الحدود، والهجرة.

إنها عودة صريحة، وإن بلغة حديثة، إلى منطق عقيدة مونرو، فالجار الذي يعجز عن ضبط أرضه، أو يُتهم بالتواطؤ مع الكارتلات، قد يصبح موضوعاً لتدخل أمريكي مباشر.

هنا يتوسع مفهوم مكافحة الإرهاب ليصبح أداة لإعادة فرض الهيمنة في المجال الحيوي الأمريكي، ولم تعد الحرب على الإرهاب حكراً على صحارى العراق وسوريا وأفغانستان، بل صارت قابلة لأن تبدأ من قارب تهريب في الكاريبي، أو مختبر فنتانيل، أو شبكة مالية، أو حكومة لا تتصرف كما تريد واشنطن.

تكشف الوثيقة هذه النزعة بعبارة لا تحتمل كثيراً من التلطيف حين تقول إن الولايات المتحدة ستعمل مع الحكومات المحلية عندما تكون (راغبة وقادرة) ، أما إذا لم تكن كذلك، أو لم تشأ ذلك، فإن واشنطن ستتخذ (أي إجراء ضروري) لحماية بلدها؛ وهذه الجملة وحدها تكفي لفهم كيف تتحول مكافحة الإرهاب إلى رخصة سيادية مفتوحة فوق سيادات الآخرين.

إن تراجع مركزية الشرق الأوسط لا يعني خروجه من الحساب، فالوثيقة تقول إن المنطقة لم تعد كما كانت لازمة لاستقرار أمريكا بسبب نمو الطاقة المحلية، لكنها في الوقت نفسه تحدد إيران بوصفها الخطر الأكبر القادم من الشرق الأوسط، مباشرة عبر قدراتها النووية والصاروخية، وغير مباشرة عبر الحلفاء والوكلاء.

هنا يظهر المخفي العراقي بوضوح، فحين تضع واشنطن إيران في قلب معادلة مكافحة الإرهاب، فإن العراق لا يُقرأ غالباً بوصفه دولة ذات ذاكرة جريحة وسيادة قلقة وتوازنات داخلية معقدة، بل بوصفه ساحة تماس بين النفوذ الأمريكي والنفوذ الإيراني، وكلما ضعفت الدولة العراقية في احتكار القرار الأمني، ازدادت قدرة واشنطن على تحويل التعقيد العراقي إلى معادلة بسيطة: إيران، فصائل، تهديد، ردع.

هذا هو الخطر الأعمق لا الخطر الأعلى صوتاً، فالوثيقة لا تحتاج إلى أن تذكر العراق كثيراً كي تمسه،إذ يكفي أن تربط الإرهاب بالدعم الإيراني، وأن تضع الوكلاء ضمن فضاء العمليات، وأن تؤكد حقها في الضربات الحاسمة ضد من يخطط لاستهداف الأمريكيين، كي يصبح العراق داخل دائرة التأويل الاستراتيجي، والسؤال هنا لا يكون: هل ستبقى القوات الأمريكية أو تنسحب؟ بل: ما الذي يبقى بعد الانسحاب؟ هل تبقى قدرة واشنطن على الضرب؟ هل تبقى عينها الاستخبارية؟ هل تبقى يدها في التصنيف المالي والسياسي؟ هل يبقى المجال الجوي العراقي مكشوفاً أمام منطق “التهديد الوشيك” ؟ وهل تستطيع بغداد أن تفرض تعريفها الوطني للإرهاب، أم سيظل تعريف الإرهاب مستورداً من خرائط الآخرين؟

المخفي كذلك أن الاستراتيجية تمنح التصنيف الإرهابي وظيفة سياسية واسعة، فحين يصبح الكارتل إرهاباً، وحين تُعامل بعض فروع الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية، وحين يدرج التطرف اليساري العنيف ضمن بنية مكافحة الإرهاب، فإن الإرهاب لا يعود وصفاً لفعل محدد فقط، بل يصبح وعاءً مرناً يمكن أن يحتوي الجريمة المنظمة، والخصم الأيديولوجي، والحركة العابرة للحدود، والوكيل المحلي، والشبكة المالية، والدولة الراعية.

هذه المرونة خطيرة لأنها تمنح واشنطن سلطة لغوية قبل السلطة العسكرية، ومن يمتلك سلطة التسمية يمتلك غالباً سلطة العقاب، فقبل أن تطلق الصواريخ، تطلق الدول الكبرى الأوصاف، وقبل أن تُضرب الأهداف، تُصنع لها هوية قابلة للضرب.

في الشرق الأوسط، تحمل الوثيقة نزعة اختزالية واضحة، فهي تجمع في فضاء تهديد واحد القاعدة وداعش وحماس والحوثيين والإخوان وحزب الله وإيران.

هذا الجمع يخدم المخيال الأمني الأمريكي، لكنه لا يساعد دائماً على فهم الواقع، فالمجتمعات لا تُقرأ هكذا، والحركات لا تتشابه لمجرد أنها ترفع لغة دينية، والسياقات المحلية لا تختفي لأن واشنطن تريد خريطة بسيطة.

في العراق، خصوصاً، لا يمكن فهم العلاقة بين الدين والسياسة والسلاح والذاكرة والسيادة بمنطق “وكيل” و”راعٍ” فقط، فهناك مجتمع خرج من احتلال، ثم من حرب أهلية، ثم من مواجهة وجودية مع داعش، ثم من صراع مفتوح على معنى الدولة.

داخل هذه التجربة، لا يستطيع أي خطاب خارجي أن يصادر ذاكرة الناس باسم مكافحة الإرهاب، كما لا تستطيع أي قوة داخلية أن تحتكر الشرعية باسم مقاومة الخارج.

بين هذين الحدين تولد الحاجة إلى معيار وطني ثالث: دولة قوية لا تستأجر تعريف الخطر من واشنطن، ولا تترك قرار الحرب والسلم لمراكز قوة خارج مؤسساتها.

تبدو الوثيقة، في طبقتها الخطابية، وثيقة حضارية لا أمنية فقط، فهي تتحدث عن الحرية، وطريقة الحياة الأمريكية، وأوروبا بوصفها مهد القيم الغربية، وعن حماية المسيحيين في أفريقيا، وعن الإسلاموية في آسيا والشرق الأوسط، وعن الهجرة بوصفها حزام نقل للتهديد.

هذه اللغة تكشف أن ترامب لا يخوض حرباً أمنية فحسب، بل يخوض حرب تعريفات: من يمثل الحضارة؟ من يمثل الفوضى؟ من يمثل الداخل النقي؟ من يمثل الخارج المتسلل؟ هنا تتحول مكافحة الإرهاب إلى سياسة هوية، وهذا ما يجعلها أخطر من مجرد خطة عملياتية؛ لأن الخطط العملياتية تنتهي بانتهاء أهدافها، أما سياسات الهوية فتنتج عدواً قابلاً للتجدد دائماً.

إن إدخال “التطرف اليساري العنيف” في الوثيقة، يكشف أنها مكتوبة أيضاً لجبهة داخلية أمريكية.

إنها ليست رسالة للخارج وحده، بل بيان في الحرب الثقافية الأمريكية، فترامب يريد أن يقول لجمهوره إن أجهزة الدولة لن تستخدم بعد الآن ضد المحافظين، وإن التهديد لا يأتي فقط من الجهاديين والكارتلات، بل من خصوم أيديولوجيين داخل المجتمع الأمريكي.

هذه النقطة مهمة للعراق والمنطقة؛ لأن قرارات السياسة الخارجية في عهد ترامب لا تنفصل عن المسرح الداخلي.

الضربة الخارجية يمكن أن تصبح رسالة انتخابية، والتصنيف يمكن أن يتحول إلى مشهد قوة، والمواجهة مع إيران أو وكلائها قد تُباع للرأي العام الأمريكي بوصفها استعادة للهيبة لا بوصفها ضرورة استراتيجية فقط.

ختاماً، لا تقول استراتيجية ٢٠٢٦ إن أمريكا غادرت الحرب على الإرهاب، بل تقول إنها أعادت امتلاكها بشروط ترامب.

لقد انتقلت من حرب كونية طويلة إلى ضربات مركزة، ومن بناء دول إلى تحميل الشركاء الأعباء، ومن لغة الديمقراطية إلى لغة السيادة الأمريكية، ومن مكافحة تنظيمات محددة إلى هندسة قاموس واسع للتهديد، وبالنسبة للعراق، الدرس الأكثر إلحاحاً أن السيادة لا تُقاس بعدد القوات الأجنبية فقط، بل بقدرة الدولة على احتكار تعريف العدو، وإدارة السلاح، وضبط السماء، ومنع تحويل أرضها إلى مسرح رسائل بين الآخرين.

إن الدولة التي لا تكتب قاموس أمنها ستجد نفسها مكتوبة في قاموس غيرها، وحين يكتب الآخرون اسمك داخل استراتيجيتهم، فإنهم لا يصفونك فقط؛ إنهم يحددون، بصمت بارد، أين تقف في خريطة الحماية، وأين تبدأ احتمالات الضربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *