في السابع عشر من آيار 2026 هزّ انفجار محيط محطة (براكة) للطاقة النووية في الإمارات العربية المتحدة المنطقة ، ليس فقط بسبب قربه من قلب المفاعل بل بسبب دقة التوقيت والتنفيذ. استهدف الهجوم مولدًا احتياطيًا خارج السياج الداخلي للمحطة وهو هدف بالغ الحيوية إذ تشكل هذه المولدات شريان حياة المنشآت النووية لحالات الطوارئ حيث تمنع انصهار قلب المفاعل في حال فقدان الطاقة الخارجية. إن استهداف مثل هذه النقطة بالذات بدلاً من التسبب بكارثة عشوائية فورية يكشف عن تخطيط احترافي ومعرفة عميقة بهندسة المحطة مما يشير إلى أن الضربة كانت مدروسة وليست عشوائية . لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو من يقف وراء هذا التصعيد وهل يمكن أن تكون إسرائيل قد نفذت هذا الهجوم بهدف دفع الدول العربية إلى مهاجمة العراق؟ الحقيقة التي تتكشف انحيازاً للإنصاف وتجريداً للمنطق تشير إلى سيناريو مغاير تماماً الطائرات أتت من الغرب وليس من الشرق.
لقد سارعت بعض الروايات إلى اتهام الحشد الشعبي العراقي أو جهات مرتبطة بإيران بتنفيذ الهجوم انطلاقاً من الأراضي العراقية . لكن القراءة الفنية للمسار والمنطق الجيوسياسي تنفي ذلك تماماً. تقع (براكة) على الساحل الغربي للإمارات قرب الحدود السعودية فكيف لطائرة مسيّرة أن تقطع أكثر من ألف كيلومتر فوق الأراضي السعودية مروراً بمنطقة شرقية شديدة التحصين بأنظمة رادار (باتريوت) و(ثاد) دون أن يتم اعتراضها أو حتى رصدها بدقة؟ إن الادعاء بأن المسيّرة أتت من العراق يعني ضمناً تورط الرياض إما بالتغاضي أو بالعجز وهو ما ترفضه العاصمة السعودية بوضوح. بل إن الإمارات نفسها ولأول مرة في تصريحاتها تجنبت القول بأن الطائرات أتت من إيران وهو ما يعد اعترافاً ضمنياً باستحالة هذا السيناريو .
لذلك يبقى الاحتمال الأقوى هو أن المسيّرات انطلقت من قواعد إسرائيلية أو من حاملات طائرات في الخليج أو عبر اختراق الحدود الأردنية والسعودية كما حدث في عملية (أوبرا )الشهيرة عام 1981. في تلك العملية حلق الطيران الإسرائيلي فوق الأراضي السعودية والأردنية متجهاً إلى تدمير مفاعل (أوزيراك) او(تموز) العراقي دون أن يتمكن أحد من إيقافه .
الدقة في ضرب المولد والتي كادت أن تتسبب بكارثة نووية إشعاعية لو امتدت الإصابة لقلب المفاعل تخدم أجندة أكبر . فإسرائيل تستفيد من إبقاء دول الخليج في حالة خوف دائم من الخطر الإيراني عبر وكلائه في العراق وسوريا لتبرير مبيعات الأسلحة والتطبيع الأمني. كما ان الهدف الاهم هو تثبيت فكرة أن طهران هي من هاجمت مما يدفع أبو ظبي للتعاون العسكري الوثيق مع تل أبيب تحت مظلة مواجهة إيران. المصادر الإيرانية العسكرية اتهمت إسرائيل مباشرة بالوقوف خلف الهجوم معتبرة أن الهدف هو دفع الإمارات نحو مشاركة سلبية أكبر ضد إيران . وبالتالي فبدلاً من أن يكون العراق جسراً للهجوم هو الضحية الأبرز للاتهام حيث يتم توظيف اسمه كورقة لتمرير صراع إسرائيلي-إيراني بحت بينما الأدلة الميدانية تشير بوضوح إلى أن الطائرات التي هاجمت المفاعل الإماراتي أقلعت من قاعدة إسرائيلية أو عبرت أجواء دول متواطئة مع إسرائيل ولكنها قطعاً لم تأتِ من بغداد.


