| يراد للحكومات العراقية المتعاقبة أن تدير التوازن الإقليمي بعنايةٍ، دون الميل إلى كفةٍ على حساب الأخرى. فبحسب التنوع العرقي والطائفي، يمكن للتأثيرات الإقليمية والدولية أن تحضر بقوة في هندسة العملية السياسية داخل العراق.
ولا يتصور أحد أن الفواعل السياسية التي تُفرزها الانتخابات يمكن أن تأخذ العراق إلى محورٍ على حساب الآخر، لأن التداخل الإقليمي والدولي أصبح جزءًا من بنية القرار العراقي نفسه. 🔹 التحليل : معضلة إدارة التوازنالسؤال المهم هنا:هل تمتلك القيادات السياسية أدوات الإدارة الناجحة للتوازن؟ وكيف يمكن لرئيس الوزراء أن يرضي الأمريكيين دون أن يُغضب الإيرانيين، أو العكس؟ إن النفوذ الإيراني في العراق واقعٌ سياسيٌ واجتماعيٌ واقتصاديٌ وديني، ترعاه الديمغرافية وتدعمه روابط مذهبية وتاريخية عميقة. وفي المقابل، فإن الوجود والتأثير الأمريكي لا يمكن تجاوزه في أي حال، إذ تلوّح الولايات المتحدة الأمريكية دومًا باستخدام أدوات الإكراه الاقتصادي من أجل تطويع الحكومة العراقية لمعالجة ملف السلاح عند الفصائل المسلحة، وهو الملف الذي عبّر المسؤولون الأمريكيون باستمرار عن امتعاضهم من طريقة إدارته داخل بغداد. 🔹 العرض : هشاشة التوازن السياسيوبينما تتسارع الأحداث بطريقة تراجيدية، وتتصاعد المخاوف الأمنية والاقتصادية، يصبح للتوازن السياسي بين المتنافسين معنىً وأثرٌ إيجابيٌّ على استقرار البلاد، بشرط أن يُدار من خلال عقلنة الخطاب، وتقديم المصالح الوطنية، وتعميق الوعي السياسي، والابتعاد عن تسويق المواقف. لكن هذا التوازن، في ظل الأحداث الإقليمية المتسارعة مثل سقوط نظام الأسد وأحداث السابع من أكتوبر، يظل هشًّا، لأنه ليس نتيجةً لمسارٍ سياسيٍّ طويلٍ استقر عند فاعلين رئيسيين مثل إيران والولايات المتحدة. فـ التوازن الحقيقي في المشهد العراقي هو توازنٌ في عمق البرامج السياسية والطروحات الوطنية التي تجنب العراق الدخول في صراع المحاور، وتدفع نحو التنافس في المقاربات الفكرية لا في الولاءات الخارجية. 🔹 المعالجة : الحاجة إلى نخبة وطنية عاقلةإننا في ظل هذا المناخ الإقليمي المتقلب بحاجةٍ إلى نخبة عميقة التفكير، تمكّنها بصيرتها من أن تكون شاهدةً عادلة على الأحداث، لا تستهويها المناصب السياسية، وليست مدعوة بالضرورة إليها. بل هي مدعوة إلى إحداث توازنٍ في الوعي، دون أن تُغريها المصلحة الآنية أو حب الظهور وتسليع المواقف، وأن تبقى ثابتة على النهج الوطني. فإن لم يتحقق ذلك، سنفقد التوازن في تحديد المصلحة الوطنية العليا، وندخل في أنفاقٍ مظلمةٍ يصعب الخلاص منها بالندم والثبور. 🔹 المؤثر الأول : العامل الدولي والإقليمي في الانتخاباتومع قرب الانتخابات، أُضيف العامل الدولي والإقليمي في هندسة النتائج مبكرًا. فقد تعهّد البعض بفعل المستحيل مقابل الدعم الأمريكي وربما الإسرائيلي الذي دخل في معادلة الصراع ضد إيران بعد التراجع الملحوظ في دورها الإقليمي. يدخل العراق، في ظل هذه التداعيات، مرحلة حاسمة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وسط منافسةٍ مفتوحةٍ بين إيران والولايات المتحدة على النفوذ. وقد ترسم الانتخابات المقبلة ملامح عراقٍ جديدٍ أكثر استقلالاً، أو تُعيد إنتاج معادلة التبعية القديمة ولكن بصيغةٍ مختلفة. 🔹 العامل المؤثر الثاني : تحديات المزاج الشعبي والنفوذ المتبدّليبقى التحدي الحقيقي الذي يفرض نفسه على معادلة التوازن هو تبدّل المزاج الشعبي العراقي تجاه طهران وحلفائها المحليين، إلى جانب تصاعد الجدية الأمريكية في كبح تمدد النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة العراقية. هذا النهج الأمريكي الجديد يتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، ويزاوج بين الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية والانخراط التنموي المباشر، وهي أدواتٌ تفتقر إليها إيران التي ما تزال تؤثر الحل العسكري والأمني على التنمية البشرية المباشرة. والنقطة الجوهرية التي تفتقر إليها إيران في العراق هي المراجعة والتقييم، في الوقت الذي تسعى فيه إلى الحفاظ على آخر معاقلها الإقليمية. ويُضاف إلى معادلة التوازن حضور تركيا التي تملأ الفراغ عبر الاقتصاد والمياه والمشاريع الاستراتيجية. 🔹 الخاتمة: اختبار السيادةوبين هذه القوى جميعًا، تقف الحكومات العراقية أمام امتحانٍ صعب في بناء سيادةٍ مستقلة وقرارٍ وطنيٍّ حرّ يعمل على إدارة التوازن، لا التماهي مع المحاور. إن نجاح العراق في هذا الاختبار سيكون هو الفارق بين عراقٍ تابعٍ للآخرين، وعراقٍ فاعلٍ في معادلات المنطقة. |


