ربما كانت الصدمة النفسية التي خلّفتها أحداث داعش الإرهابية، والمترسخة بعمق في الوعي الجمعي الشيعي،
من أبرز العوامل التي تلهم الدفاع عن فكرة الاحتفاظ بسلاح المقاومة.
فقد وُلدت هذه القناعة في سياق تاريخي وأمني شديد التعقيد،
ارتبط بالخوف من عودة الانهيار، وبالشعور بأن السلاح أدّى في لحظة فاصلة دوراً حاسماً في حماية المجتمع والدولة معاً.
وإلى جانب هذه الذاكرة المؤلمة، أسهم الضخ الإعلامي العربي المستمر،
بما يحمله من شحنات سياسية وغريزية،
في تحويل كل نقاش عام يلامس موقع الشيعة في المنطقة إلى اتهام ضمني لهم بوصفهم امتداداً للنفوذ الإيراني في الدول العربية.
من الخطاب السياسي إلى صناعة الشك
لقد ساعد تسطيح الخطابين السياسي والإعلامي داخل الدولة العراقية، تحت شعار “الوحدة الوطنية”،
في نمو مواقف متطرفة تجاه الشيعة. وكانت هذه المواقف، في مراحل سابقة،
محصورة في أحزاب تعبّر عن قطاعات محددة ذات رؤى أيديولوجية خاصة، أو في جماعات هامشية محدودة التأثير.
غير أنها تحولت تدريجياً إلى ما يشبه “المعيار الطبيعي” الذي تتقبله شرائح واسعة من الجمهور،
بدرجات متفاوتة من الفهم والوعي. وهنا تكمن خطورة الخطاب العام حين يتحول من أداة لبناء الثقة الوطنية إلى وسيلة لإنتاج الشك المتبادل.
حصر السلاح بيد الدولة وأزمة الثقة
في المقابل، يثير الخطاب السياسي الجديد بشأن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة حالة من انعدام الثقة داخل الأوساط النخبوية والشعبية.
إذ يستحضر هذا الخطاب الماضي القريب، حين دافع هذا السلاح عن الدولة ومؤسساتها في لحظة تهديد وجودي.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة:
هل يُعقل أن الجهات التي غذّت الإرهاب لسنوات ضد المؤسسات الحكومية والأمنية أصبحت اليوم تطالب بحصر السلاح بيد الدولة وكبح انتشاره؟
وهل يمكن فصل هذا التحول المفاجئ عن الحسابات السياسية والإقليمية والدولية المحيطة بالعراق؟
تحوّل سياسي أم إعادة تموضع؟
مع ذلك، فإن التحديد الواضح لحدود هذه الظاهرة، وإدانتها بلغة غير مسبوقة، يعكسان تحولاً سياسياً ملحوظاً.
ويأتي هذا التحول في ظل حاجة النظام إلى شرعية تُكتسب إقليمياً ودولياً،
إلى جانب تصاعد الضغوط والإدانات الأميركية المرتبطة بملف السلاح خارج إطار الدولة.
وهنا تبرز المفارقة بوضوح؛ إذ يبدو وكأن القوى التي دعمت العنف،
أو وفّرت له الغطاء السياسي في مرحلة ما، تحاول اليوم تقديم نفسها بوصفها وصية على السلاح والنظام العام.
العنف الطائفي ومنطق المناطق الرمادية
غير أن هذه التحولات تحمل في طياتها مؤشرات مقلقة أيضاً.
فالعنف الطائفي لم ينشأ من فراغ، بل كان جزءاً من منطق عمل الجماعات المسلحة التي نشطت في المناطق الرمادية،
حيث جرى احتواؤها ورعايتها ضمن ترتيبات غير معلنة.
واليوم، لا يبدو أن الدولة تعيد تعريف علاقتها بالسلاح الخارج عن إطارها انطلاقاً من اعتبارات أخلاقية أو قانونية فقط،
بل لأن وجود هذه الفصائل لم يعد يخدم متطلبات المرحلة الجديدة، بل بات يشكل عائقاً أمامها.
من فراغ الدولة إلى احتكار القوة
إذا كانت الجماعات المسلحة قد ملأت فراغ الدولة في مراحل سابقة،
فإن الدولة تسعى اليوم إلى استعادة هذا الدور واحتكار أدوات القوة بصورة أكثر علنية ومأسسة.
وبذلك، انتقلت إدارة العنف من مرحلة الإنكار والعمل من وراء الكواليس إلى مرحلة التنظيم الرسمي والتنسيق المباشر مع المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ولم يعد الأمر يقتصر على تفاهمات غير معلنة،
بل أصبح جزءاً من البيروقراطية الرسمية التي تعيد صياغة أدوات السيطرة والنفوذ بما ينسجم مع المتغيرات السياسية والأمنية.
إعادة إنتاج القوة داخل المؤسسات
من هنا، فإن محاولات كبح العنف غير المنضبط لا تعني بالضرورة إنهاء منطق القوة،
بل قد تعني إعادة إنتاجه ضمن إطار مؤسساتي أكثر انضباطاً وأشد مركزية.
إن ما يجري اليوم لا يعكس نهاية العنف بقدر ما يعكس تحوله من ممارسة فصائلية منفلتة إلى ممارسة مؤسساتية تُدار تحت مظلة الدولة.
وقد ينتج عن ذلك جهاز أمني أكثر تنظيماً وانضباطاً، كما هو الحال في مؤسسة الحشد الشعبي، لكنه ليس بالضرورة أكثر عدالة أو أخلاقية.
ومع ذلك، فإن هذا التحول قد يجعل الدولة أكثر قدرة على إدارة القوة، وإحكام السيطرة، وتعزيز سلطة القانون، شرط أن يكون احتكار السلاح مدخلاً لبناء دولة عادلة، لا مجرد إعادة ترتيب لموازين النفوذ داخل النظام السياسي.


