المقدمة:في عالمٍ تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه الموارد، لم يعد امتلاك الثروة كافيًا لبناء السيادة، بل أصبح حسن إدارتها هو جوهر البقاء والاستقلال. والعراق اليوم يقف أمام منعطفٍ مصيريٍّ في ملفَّي المياه والطاقة، وهما شرايين وجوده الجيوسياسي ومفاتيح استقلاله المستدام. إن استمرار التنازع الحزبي والضغوط السياسية في إدارة هذين الملفين يُضعف قدرة الدولة على رسم سياسة وطنية رشيدة، ويجعل القرار العراقي مرتهنًا بإرادات خارجية. ومن هنا، تبرز ضرورة تأسيس مجلس وطني مستقل للمياه والطاقة، ينهض على أساس الخبرة العلمية والحياد الوطني، ويُمنح صلاحيات استثنائية تمكّنه من إدارة هذين الملفين الاستراتيجيين بمعزل عن الأجندات الحزبية والتجاذبات الحكومية. المجلس الوطني للمياه والطاقة: الحاجة والغايةتتعدد الجهات الحكومية اليوم التي تتعامل مع ملف المياه والطاقة في العراق، من وزارات وهيئات ومجالس، وغالبًا ما تتقاطع قراراتها أو تخضع لتجاذبات سياسية. هذه الحالة من التشتت المؤسسي تُضعف الموقف التفاوضي للعراق أمام الدول المتشاطئة أو الشركات الأجنبية المستثمرة في قطاع النفط والغاز. إن إنشاء مجلس وطني موحّد يُعنى بالمياه والطاقة من شأنه أن يُنهي هذه الفوضى، ويُرسي منظومة قرارٍ علمي ووطني واضح، يربط الأمن المائي بأمن الطاقة ضمن رؤية استراتيجية واحدة تحكمها المصلحة العليا للدولة. نطاق عمل المجلس وصلاحياته يشمل عمل المجلس الوطني للمياه والطاقة جميع ما يتصل بهذين القطاعين الحيويين، ومن ذلك: في مجال المياه:– إدارة الموارد المائية: السدود، الخزانات، المشاريع المائية، الأنهار، والموارد الجوفية. – شؤون الري والزراعة المائية، ومعالجة المياه وتصريفها. – الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمياه المشتركة مع دول الجوار. في مجال الطاقة:– قطاعات النفط والغاز والكهرباء ومحطاتها وشبكاتها. – الطاقة المتجددة والنظيفة: الشمسية، الرياح، وغيرها. – خطط الإنتاج والاستثمار والنقل والتوزيع، وفق مبدأ التكامل بين استدامة الموارد وحماية البيئة. في مجال التعليم والبحث العلمي:– دعم برامج التعليم والبحث العلمي في مجالات المياه والطاقة، وربطها بالسياسات الوطنية لضمان استمرارية التطوير المعرفي والتقني. تشكيل المجلس وهيكليتهيتكوّن المجلس من خبراء تكنوقراط في مجالات المياه والطاقة والبيئة والاقتصاد والقانون الدولي والعلاقات الاستراتيجية، بعيدًا عن أي انتماء حزبي أو نفوذ سياسي. ويُمنح المجلس صلاحيات استثنائية مستقلة عن الحكومة ومشيئتها، على غرار استقلال القضاء، ليكون مرجعية عليا تستند إلى الكفاءة والعلم لا إلى التوازنات السياسية. ومن أبرز مهامه:1. رسم السياسة الوطنية للمياه والطاقة على المدى القصير والمتوسط والبعيد. 2. توحيد الموقف التفاوضي العراقي مع دول الجوار والشركات الدولية. 3. مراجعة الاتفاقيات والعقود المائية والنفطية لضمان انسجامها مع السيادة الوطنية. 4. اقتراح التشريعات اللازمة لتنظيم استثمار الموارد المائية والطاقية. 5. إنشاء قاعدة بيانات وطنية متكاملة للمياه والطاقة والبيئة والزراعة. 6. رفع التوصيات والقرارات الملزمة للحكومة في الملفات السيادية ذات الصلة. الاستقلال المؤسسي شرط النجاحإن أي مجلس وطني لا يمتلك استقلاله الحقيقي سيُفرغ من مضمونه. لذلك، لا بد أن يكون هذا المجلس مستقلًا إداريًا وماليًا وتنظيميًا، وتُمنح قراراته قوة الإلزام، ليُعامل بوصفه هيئة سيادية عليا تُعنى بحماية موارد العراق الحيوية. فلا الماء يُدار بالعواطف، ولا النفط يُدار بالمساومات، وكلاهما عصب بقاء الدولة ومصدر قوتها. بين العلم والسيادةحين يُدار القرار المائي وأمن الطاقة على أسس علمية، يصبح العلم نفسه أداةً للسيادة، ويغدو الحوار مع الدول والشركات الكبرى تفاوضًا على أساسٍ من المعرفة والمصلحة، لا على مائدة التنازلات. إن استبدال الولاءات الضيقة بولاءٍ وطني يستند إلى العقل والخبرة، سيمنح العراق القدرة على الانتقال من مرحلة التبعية إلى مرحلة الفاعلية، ومن موقع المتأثر إلى موقع المؤثر. خاتمة:إن تأسيس مجلس وطني للمياه والطاقة ليس ترفًا إداريًا ولا إجراءً بيروقراطيًا جديدًا، بل ضرورة وجودية لحماية سيادة العراق وازدهاره. فالماء والنفط والغاز والكهرباء والطاقة النظيفة هي أعمدة حياة العراق الحديثة، ولا يليق أن تُدار إلا بعقلٍ علميٍّ مستقلٍّ لا يخضع إلا للوطن. ومن لا يملك قراره في الماء والطاقة، لا يملك قراره في السيادة. |


