| – جدلية البداوة والتحضر.
– التغالب بين النهب والوهب . – الازدواجية وحيثياتها . كتب عالم الاجتماع العراقي الأشهر (د.علي الوردي ) كتابه الأشهر(دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ) عام 1965 ،حيث كانت الحركة السياسية في العراق ،تعيش صراعاً بين ثلاثة اتجاهات رئيسة : القومية – الماركسية – الإسلامية ، ولأنه جاء بمثابة مسح أفقي لتسجيل ظواهر مرئية في المجتمع العراقي – كما كلّ مجتمع آخر – ولأنه الكتاب المنهجي الأول من نوعه ومن استاذ متخصص درس في أمريكا ،وفوق ذلك ينتسب الى تلك الأسر المنحدرة من آل البيت ومن مدينة مقدّسة (الكاظمية ) ذات تأثير في تاريخ العراق الحديث ،كما انه أظهر نبوغا منذ المراحل الأولى من دراسته ، أهلّه لينال منحة دراسية في الجامعات الأمريكية ،وتلك حظوة لم تكن متوفرة الا للقلائل . حين عاد العراق ، بدأت كتاباته بالظهور تباعاً ، وكان العراق مازال قريب عهد بالاحتلالات ، و مازالت تأثيراتها ممتدة – خاصة في جوانبها السياسية – حيث التطاحن الشديد بين القوى الثلاث المذكورة آنفاً ، المختلفة بشدّة والساعية الى استلام السلطة بكل وسيلة يأتي العنف في مقدمها ، وكلّ منها يجعل (الغلبة) في موضع سعيه . في تلك الأجواء ،وفي مدينة مترفة يسعى إليها الزوار القادمين من الريف ، وبنظرة (تاجر مدني ) نال تعليماً راقياً في دولة متقدمة ،وبأسلوب سلس وممتع ، بدأ الوردي يمسح منظاره ليلقى نظرة أفقية على مايجري ، فيقارنه بالأجواء الأكاديمية المدنية التي عاشها ابّإن دراسته في أمريكا ، مع مايجري في بلده ، ليظهر نوعاً من ” الانحياز ” المسبق الى تلك المدنيات ، وهو القادم من مدينة متعالية على ماحولها ، لقدسيتها عند معظم من كتب عنهم . كان التفسير الأقرب حسب تصوره لظاهرة العنف والإزدواجية في الشخصية العراقية ،إنه متأصل فيها ،نتيجة ل(صراع البداوة والحضارة ) من دون الإنتباه ، ان اشد دورات العنف عبر التاريخ ، لم يأت من البداوة ، بل من المدنيات ، وإن ماتعرض له العراق من غزوات على امتداد عصور ما قبل الميلاد ، انما جاء من غزوات القبائل الجبلية وليست الصحراوية ،بدءاً من الكوتيين والعيلاميين والكاشيين والميديين والآراميين والحثيين ،مروراً بالاخمينيين والساسانيين ،وصولاً الى الترك والسلاجقة والبويهيين والصفويين والمغول والتتار،وصولاً الى الاستعمار البريطاني . من يقرأ تاريخ العراق القديم ، لم ير أثراً يذكر في (صراع البدواة ) فكل الأقوام التي ساهمت في بناء حضارة وادي الرافدين ، اتخذت اسماءها من المدن التي شيدتها في وادي الرافدين أو من ألقاب رافدينية حصراً ،فالأكديون نسبة الى مدينة أكاد (1)والبابليون بكل مراحلهم انما نسبة الى مدينة بابل ،والآشورن تسمية انبثقت من إله (آشور) وتعني حارس المدينة ، وماتركوه من ألواح ولغة وعادات ومورثات ومعتقدات ، لم تأت على ذكر البداوة ، بل إن اول ذكر للعرب ،جاء في لوح آشوري القرن الثامن ق/م لوصف كتيبة من راكبي الجمال ضمن الجيوش الاشورية (أربا أو أربو) . القبائل البدوية ،هي الوحيدة التي أوجدت نوعاً من الهدنة المجتمعية (الأشهر الحرم) وهي أربعة أشهر من كل عام ، احترم العمل بها طوال ماسمي بعصور الجاهلية ، فيما لم تشهد حضارات أخرى (مدنية) هذا التقليد ،حيث هوجمت بابل ودمرت من قبل الاخمينيين في موسم أعيادها . ربط العنف في البداوة وجعله صفة متأصّلة ، يتكشّف عن خلط منهجي في اتجاهين : المفهوم السياسي للدولة ،والمعنى الاجتماعي للنظام السياسي ، فالبداوة هي صفة لحالة اجتماعية وأنماط عيش ربطاً بالجغرافيا ، ولما كانت البادية تعني المساحات الصحراوية شحيحة الموارد التي لا توفر وسائل عيش تساهم في استقرار العدد القليل من سكّانها ،ما يدفعهم نحو التنازع المستمر ، للاستيلاء على مصادر المياه أو أماكن الرعي المتناثرة والمتباعدة ، كما أن شظف العيش في الصحراء ، جعل من الغزو واللصوصية نمط حياة وسلوك ، ما اظهر البدوي كشخص يقاتل الحياة بشتى السبل من اجل الحصول على قوْته ، فترافقه في الصفات الفردية ، معالم الغلظة واللجوء إلى الخداع وارتفاع نبرة الصوت حيث المناداة للصديق والزجر للعدو والصيحة في الحرب ، فيما يترافق واقعه الجمعي ، مع التنقل الدائم وعدم الاستقرار والميل إلى التصرف غير المنتظم والاحتكام إلى أعراف وتقاليد مما أفرزته قسوة الحياة في بيئة كهذه ،ذلك ماينتج بمحصلته تنافي البداوة مع القيم المدنية ، حيث تشابك العلاقات وتعدد مستويات العيش وتنوع مصادره ، يتطلب سلوكاً مختلفاً يقوم على إجادة فن المخاطبة وطبيعة الصلات مع الآخر والانتظام بقوانين محروسة بقوّة منظمة ومدججة بالسلاح ،تشرّع ماقد تلجأ إليه من إلحاق العقوبة بالمخالفين ، كذلك ماتوفره المدنية من منجزات والتمتع بما تمنحه المكتشفات والعلوم ، الخ . لكن ذلك لايمنع القول أن القبائل البدوية استطاعت إيجاد نظم تتناسب وحياتها ،فعقدت تحالفات ومعاهدات للتعاون فيما بينها أو إحلال السلام في أشهر معينة أصبحت عرفاً ، أو القيام بالحرب أو صدّ هجوم معاد أو ماشابه ، أما قيادتها والإشراف على شؤونها ، فقد مارست القبيلة أسلوباً يشابه في بعض وجوهه ، ماكانت تمارسه أثينا ،إذ يُعقد بين رجال القبيلة البارزين ، مجلس يفصل في القضايا المهمة كعقد الصلح أو التحالف أو الارتحال أو الإعداد للغزو – الخ ، كما كان أفراد القبيلة يتمتعون بقدر كبير من الحرية للإدلاء برأيهم ومناقشة كبيرهم ، الذي بإمكانهم استبداله إذا لم يحسن قيادة القبيلة أو تخاذل في حرب أو كان بخيلاً أو كاذباً أو مما ترفضه أعرافهم وقيمهم ، لكن الأثينيين دوّنوا ووثقوا ، فيما اكتفت القبائل بكلمة الشرف ، وقد جاء الحديث النبوي عن ضرورة المكاتبة ” إن اتفقتم فتكاتبوا ” ليتدارك نقصاً حضارياً في هذا الجانب ،كما يؤخذ على الأنماط القبلية عملها بعرف : العدالة في القبيلة ، والغلبة على الآخرين ، وهو مايخالف قاعدة : العدالة للشعب بقانون يسري على الجميع – كما يفترض – . ذلك البعد الوحيد للبداوة ، هو ما أتخذه علي الوردي منهجاً لوصف المجتمع العراقي ، وبالتالي وضعه في نمطية أحادية الجانب بدءاً من عنوان الكتاب (— طبيعة المجتمع العراقي) وكأن المجتمع محكوم ب(طبيعة ) ذات خاصيات تشكل العامل البيولوجي والجيني والفيسولوجي والسايكولوجي معاً ،وهذه تمتلك قدراً من (الثبات )مايجعلها أشبه بقوانين الطبيعة ذاتها ، رغم ان الشعوب حسب دراسات علوم الاجتماع ، وان امتلكت ميزات مشتركة عامة تختلف في الأزمنة ووسائل العيش والمعطيات الفاعلة والمؤثرة ، لكن لايمكن تسميتها (طبائع) ما يخلق التباساً منهجياً في الفكرة ذاتها ويجعلها خارج البحث العلمي ، بمقدار مايحيلها الى الوصف التقريري . في كل سيرورة الأمم والحضارات قاطبة ،كانت مفاعيل العنف الأهم تأتي من المدنية ، وقد تناسب تطور الحضارة بشكل طردي مع ارتفاع مستوى العنف التي قادت الى مفهوم الإبادة الجماعية . لقد شهدت أوربا القديمة ،ظهور المدن والإمبراطوريات ، وقد سبقتها بلاد الرافدين الى ذلك ، ثم توالى ظهور الامبراطوريات تباعاً او تزامناً ،وكلها خرجت من المدن وأسست في المدن ، وشهدت كذلك حصار المدن وابادتها . في الوقت عينه ،شهدت جبال اوربا وسهولها وبحارها ،ظاهرة القبائل التي امتازت بالقسوة والعنف كان أشهرها ، الجرمانية والهون والقوزاق والفايكنغ ، وكلها تشابهت مع القبائل البدوية في سلوكياتها وان اختلفت بيئتها ، لكن أحد من المفكرين وعلماء الاجتماع الغربيين ، لم يصف أيا من تلك المجتمعات انها تأثرت بصراع (البداوة والمدنية) بحيث اصبحت من طبيعتها . أما في العصر الحديث ،فكل الحركات التي مجدت العنف وجعلته ركناً رئيساً من توجهاتها ،انما انبثقت من المدينة ،كالحركات النازية والفاشية التي اضطرت اوربا الى دفع 50 مليوناً من الضحايا في عنف لم تشهده البشرية عبر تاريخها ، كذلك ماشهدته الحروب الدينية في اوربا من محارق وابادة مروعة ، فيما شهدت أمريكا ذاتها ،حروب ابادة جماعية ارتكبها البيض بحق السكان الاصليين ،وماحدث في الحرب الأهلية وقبلها في حرب التحرير ضد البريطانيين . كان يكفي الوردي أن ينظر في تاريخ الشعوب القريبة والبعيدة – بل وفي حاضرها كذلك – انطلاقاً من تاريخ العراق ذاته ، ليسقط مقولتين من ركائز مقولاته : الحضارة والبداوة – والوهاب النهاب . البداوة من الفعل بدا أي ظهر من بعيد ،ماكانت تتيحه البيئة الجغرافية بسهولها الشاسعة ، ولأن الطبيعة الصحراوية شحيحة المياه موسمية الاخضرار ، لذا تمكن ساكنوها من إقامة مدن كبرى أو حواضر وهي مفردة مشتقة من (الحاضر) أو دائم الحضور ، فالمدينة لابد ان تتوفر لها مصادر عيش من ارض تصلح للزراعة ومصادر دائمة للمياه كالانهار والينابيع أو المياه الجوفية وماشابه ، وحينما تنشأ طبقاً لذلك ،تكون موطناً للحضورالدائم ،عكس الصحراء بمساكنها المؤقتة وتجمعاتها القلقة . كان ذلك القلق الوجودي مما تسببه الصحراء ،منطلقاً لأنماط من العيش أقل تعقيداً وأكثر وضوحاً وبعداً عن الازدواجية ، فالجماعة المرتحلة معاً والمستقرة معاً ،تنحدر بمعظمها من نسب واحد ، ويعرف أفرادها بعضهم البعض ،ولما كان التعامل بينهم بسيطاً لايحتاج الى تلك العلاقات المركبة والمستويات المتعددة مما تطلبه المدنية بتعدد سكانها واختلاف مهنهم وطرائق كسبهم للرزق ، لذا كانت ” الإزدواجية ” أقل ظهوراً في البادية منها في المدينة . أما مقولته الأشهر عن (أزدواجية الشخصية العراقية) فهي خطأه المنهجي الأكثر وضوحاً ، ولو دقق في تلك المقولة وابعادها ،فلربما استغنى عنها كلياً – لماذا ؟ .2- الأزدواجية في الشخصية العراقية “مأثرة ” الوردي الكبرى(البيئة الجغرافية كان لها الأكثر الأكبر في نشوء مجتمع سومري شديد الاعتداد بنفسه يميل الى احترام الخير والصدق ويمجد العدل والحرية والاستقامة ومن ثم يمقت كل مايمسّ حريته أو قيمه ، لذا كان من الطبيعي ان يكون السومريون أول من وضع التشريعات التي تحفظ للحرية حقّ ممارستها وللانسان امتلاك حقوقه) نوح كريمر – السومريون أحوالهم –عاداتهم- تقاليدهم – ص102). كانت تلك أولى معالم المدنية التي تركت أثراً على (الشخصية العراقية) لكن علي الوردي ،رأى (الآخر) بعيداً ، ولم يره في الإنسان العراقي ، بل رآه ممزقاً بالتناقض والإزدواجية التي تجعله يعمل الشيء ونقيضه ،فهو صادق يتمسك بالقيم والأخلاق والمثل العليا تارة ، لكنه يتنكر لها ويمارس الكذب والنفاق والعنف تارة أخرى ، وكل ذلك متأت من الصراع المتواصل بكل عنفه بين البداوة والحضارة التي تشتبك في دواخل العراقي ولاتترك له متنفساً- حسب الوردي- (أكاد ): من أكي أي السقاء أو المزارع كما جاء في لوح أكدي عن ولادة سرجون (— فالتقطني أكي سقاء الماء) وبالتالي فأكدة تعني العمال والمزارعين ،وذلك بمثابة فخر في حضارة تعتمد على الزراعة وتشييد المدن ، أما بابل ،فتعني باب إيل – باب الإله ،ومازلت كلمة (على باب الله )تعني السعي لطلب الرزق . |


