بين المقاطعة والمشاركة… الإنتخابات العراقية النيابية تحت وطأة التدخل الأميركي

بين المقاطعة والمشاركة… الإنتخابات العراقية النيابية تحت وطأة التدخل الأميركي
يواجه المواطن العراقي أمام انتخابات نيابية مصيرية خيار المشاركة أو المقاطعة، في ظل تأثير أميركيٍّ مستمرٍ منذ ٢٠٠٣ في بناء النظام السياسي، ما دفع إلى فقدان الثقة في شرعية الانتخابات، وتحول الخيار بين الصوت المؤثر أو الامتناع الرمزي....

في وقت يستعد فيه العراق لإجراء انتخابات نيابية جديدة، يجد المواطن العراقي نفسه أمام مفترق حاسم، هل يشارك في الاستحقاق أم يقاطع؟ هذا السؤال ليس نتاجاً لعزوف عابر أو مجرد كساد سياسي، بل هو انعكاس لامتدادات الأزمة التي تتغلغل في بنية العملية السياسية العراقية، وتحديداً آثار التدخل الأميركي المتشعّب في الشأن الداخلي العراقي. فبينما تدّعي الولايات المتحدة أنّها شريك للإصلاح والديمقراطية، يرصد كثير من العراقيين تراكماً من الإحباطات، سواء من الأداء الحكومي أو من كثافة التأثير الخارجي على القرار الوطني. في هذا المقال الصحفي، أسعى إلى تفكيك كيف أثّر التدخّل الأميركي في الانتخابات العراقية، ولماذا تذمّر المواطن من هذا التدخل، مع محاولة إلقاء الضوء على الخيارات التي أمامه بين «المقاطعة» و«المشاركة».

أولاً: جذور التدخّل الأميركي في العملية السياسية العراقية… لا يمكن فهم واقع الانتخابات العراقية المعاصرة من دون العودة إلى الورشة الأميركية الكبرى التي بدأت بعد غزو العراق عام 2003. حينها، أسّست Coalition Provisional Authority بإشراف أميركي سلطة انتقالية، وهيمنت الولايات المتحدة على العمليات الانتقالية والانتخابات الأولى.

في تفسير لـCouncil on Foreign Relations، نجد أن الولايات المتحدة لعبت دوراً «فعّالاً خلف الكواليس» في الدفع تجاه تشكيل حكومات عراقية تضمّ الشيعة والكرد والسنة، وقد جرى الضغط مباشرة أحياناً على المرجعية الدينية والكتل السياسية. لكن ما هو الأثر؟ الأثر أن النّظام السياسي الذي تأسّس، وإن بدا ملكاً للشعب، فقد شُكّلت قواعده وإطاره وفق أهواء وتحليلات الداخل الأميركي والخارجي. مثلا، من خلال المناقشات حول قانون الانتخابات، أو عملية ما بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة، مرّت كلّها بتأثير واضح.

إضافة إلى ذلك، رأى الكثيرون أن التجربة الديمقراطية التي رعتها الولايات المتحدة في العراق لم تحقق ما كانت تعد به، فمثلا لم تُحد من الطائفية، ، ولم تؤسس لشرعية جماهيرية قوية. إذًا، التدخّل الأميركي حاضر في البنية السياسية العراقية، سواء عبر الحضور العسكري أو عبر النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي، أو عبر بنى الانتخابات نفسها، تمويل، تدريب، مراقبة، وضغوط على الأطراف المحلية.

ثانياً: كيف يظهر التدخّل الأميركي في الانتخابات العراقية المعاصرة؟… من خلال عدّة آليات يمكن رصدها، ينشط التدخّل الأميركي في الانتخابات العراقية، ويشكل ضغطاً على العملية السياسية بطرق مباشرة وغير مباشرة، الضغط على تشكيل الحكومات والتحالفات بعد الانتخابات، لا تقتصر الانتخابات في العراق على يوم الاقتراع، بل يمتد تأثيرها إلى مرحلة ما بعد الانتخابات، من يكوّن الحكومة، كيف تُوزّع المناصب، وما هي السياسات التي تُعتمد؟ في هذه المرحلة، تلح الولايات المتحدة على بغداد بأن تكون حكومة «شاملة»، أو تشكّل تحالفات محددة، أو توافق على شروط معينة. هذا الأمر يُولِّد شعوراً بأن الانتخابات ليست كافية، وأن «الغرفة الخلفية» التي تُشكّل الحكومة لا تخضع بالكامل لإرادة الشعب، بل لتوازنات تدخل خارجي.

المراقبة والتدريب والتمويل الانتخابي تمّت برعاية أميركية برامج لدعم منظمات المجتمع المدني العراقية لمراقبة الانتخابات، وتدريب مرشّحين، وضمان بعض المعايير التقنية. من جانبٍ تقني يبدو هذا إيجابياً، لكن عدداً من العراقيين يرون أن هذا «تدخّل» بصيغة حديثة، إذ يُشكّل إطاراً تأطيرياً لاختيار اللعبة السياسية وشروطها بما يتماشى مع مصالح الدول الداعمة، وليس بالضرورة مع مصالح العراق الداخلية.

الحضور العسكري والأمني وتبعاته السياسية، وجود القوات الأميركية في العراق، وعدد الملفات التي ترتبط بها من محاربة الإرهاب إلى الاتفاقات الثنائية وغيرها يجعل بعض الفاعلين السياسيين يرون أن استحقاقات الانتخابات تخضع أيضاً لموازين تتجاوز الشأن العراقي. فكما أشارت تحليلات إلى أن الانتخابات العراقية تعكس «ما كان لدى الولايات المتحدة أن تريده» أو ما تحاول تأكيده، وليس بالضرورة ما يرغب به الشعب.

ثالثاً: لماذا يذمّر الناس من التدخّل الأميركي؟… استياء المواطن من التدخّل الأميركي له جذور عميقة تتعلّق بالتجربة الانتخابية والسياسية العراقية بعد إنتهاء عهد النظام السابق. إليك بعض المسارات:

فقدان الثقة والشرعية… حين يرى المواطن أن الانتخابات تفرز نتائج لم تغيّر الواقع، أو حين تتكرّر الأزمات بعد الانتخابات، يشعر بأنه مجرد مشاركة شكلية. كما أن تدخّل أطراف خارجية يُضعف الإحساس بأن العملية «حكومية عراقية بالكامل». أشار تحليل إلى أن «النظام الذي أنشأته الولايات المتحدة في العراق قد فشل، ولم يقدّم حلولاً للاحتياجات الأساسية».  هذا الشعور يُفضي إلى رفض المشاركة أو عزوف، باعتبار أن النتائج ستكون نفسها.

الإخفاق في الأداء المؤسّسي والتقديم الاجتماعي… الانتخابات من المفترض أن تغيّر مسارات الدولة، تحسين الخدمات، الحدّ من البطالة، ترسيخ العدالة. لكن المواطن يرى أن الأمور لم تتغير، بل أن الفساد والمحسوبية تفاقما، وأن النتائج تغيّرت أسماء الفاعلين لا الواقع. في هذه الحالة، التدخّل الأميركي – حين يُرى كجزء من المنظومة – يُستنكَر لأنه يعطي الشرعية لعملية يُنظر إليها بأنها لا تخدم الإنسان العراقي.

الإحساس بأن القرار الوطني ليس في يد العراقيين وحدهم… حين يكون حضور القوى الأجنبية ملموساً في الانتخابات أو ما بعدها، يشعر كثير من العراقيين بأن السيادة الوطنية مُنتقصة. ليس بمعنى أن الأميركي يريد فرض مرشح، بل أن وجوده يجعل الخيارات محكومة بفاتورة، ما يُفسد فكرة «حرّية الاختيار». تحليل في المجلس الأطلسي أو غيره يقول إن الولايات المتحدة «فيما وراء الكواليس» تمارس ضغوطاً.

الاحتمال القابل للتجنّب بأن تصبح الانتخابات «واجهة» لتثبيت نفوذ خارجي… هناك من يرى في الانتخابات وسيلة لتمرير أجندات خارجية أو فرض علاقات معينة. على سبيل المثال، يميل الإعلام والمحللون إلى القول بأن الولايات المتحدة تستعمل الانتخابات في العراق كجزء من استراتيجيتها للمنطقة. هذا الرأي يولّد استياءاً من أن العراق يتحول إلى ساحة تنافس دولي أكثر من كونه إطاراً لخدمة الشعب.

رابعاً: المقاطعة أو المشاركة، أي خيار أمام المواطن العراقي؟… حين يطرح السؤال على المواطن العراقي، هل أشارك أم أقاطع؟، فالإجابة ليست بسيطة، إذ فيها اعتبارات مبدئية وواقعية، المشاركة تعني الدخول في اللعبة السياسية، محاولة التأثير، إرسال رسالة من خلال الصوت الانتخابي، والمطالبة بمحاسبة من يفوز. لكنها قد تُفسّر بأنها مشاركة في عملية يُنظر إليها بأنها مشوّهة أو تحت تأثير خارجي، ما يقضي على طابعها التغييري.

المقاطعة هي احتجاج رمزي أو فعلي، تعبير عن رفض لهيكل العملية أو ظروفها. لكنها تحمل مخاطرة بأن تُترك الانتخابات لمن يشاركون من القوى التقليدية أو المتنفّذين، ما قد يؤدي إلى تجذير أسوأ الأوضاع. من زاوية تحليلية، يبدو أن المقاطعة تنجح فقط عندما تكون جزءاً من استراتيجية واضحة، تدعمها قوى محلية قوية أو حركة شعبية تجذب الشارع وتشكّل بديلاً. لكن في حالة العراق، حيث البنى السياسية الهشّة، فإن المقاطعة الجامدة قد تفتح المجال لقوى أقل شفافية أو أكثر تصلّباً.

المشاركة، من جهتها، تُعطي المواطن موقعاً على المسرح، لكنها تحتاج إلى مراقبة فعليّة لما بعد الانتخابات، ومطالبة بالمساءلة، وإرادة لتغيير النمط التقليدي. وإلا، فإنه سيظل مجرد «ختم» على عملية لا تغيّر شيئاً.

خامساً: مستقبل ما بعد الانتخابات وتأثير التدخّل الأميركي… إن مستقبل الانتخابات العراقية لن يُحسم فقط في يوم الاقتراع، بل في ما بعده، تكوين الحكومة، توزيع المناصب، تنفيذ الإصلاحات، فعالية البرلمان، ومحاربة الفساد. وفي كل هذه المراحل، التدخّل الأميركي أو النفوذ الأميركي يُمكن أن يلعب دوراً ـ أحياناً مدعوماً من بغداد، وأحياناً موضع معارضة.

كما أشارت تحليلة من مركز بروكينغز إلى أن انتخابات العراق ذاتها لم تؤدِّ إلى تحوّل جوهري، وأن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى إعادة نظر في استراتيجيتها تجاه العراق، بحيث لا تفترض أن من تبناهم هم مؤيدون تلقائياً، وأن الدعم الأميركي ليس ضماناً للتغيير.

كذلك، فلعب ما بعد الانتخابات لحسم من سيحكم، هل سيكون الأقوى سياسياً أم الأكثر قدرة على بناء تحالفات؟ وما مدى قدرة العراق على مقاومة أن يُصبح ساحة منافسة بين القوى الخارجية؟ تلك هي التحديات، والولايات المتحدة تبدو مستعدة للضغط أو التوجيه، لكن ليس بالضرورة للتغيير الجذري.

ختاماً… إنّ المسألة ليست فقط مقاطعة أو مشاركة، بل ما قيمة المشاركة، وكيف يمكن تحويل صوتك إلى قوة تغيير، وما هي الضمانات التي تجعل الانتخابات تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب، لا مجرد عملية روتينية. وفي هذا السياق، دور الولايات المتحدة في العراق ليس قدراً محتوماً بلا نقاش، بل هو عامل يؤثر بطبيعة السلطة والنظام الانتخابي والتوازنات بعد الانتخابات.

إذا أراد العراقي أن يشارك، فعليه أن يسأل، هل هذه الانتخابات تفتح فرصة حقيقية؟ وهل هناك مراقبة حقيقية وشفافية؟ وهل هناك قدرة للمحاسبة؟ وإذا رفض، فعليه أن يسأل، ماذا عوضاً عن ذلك؟ هل هناك حركة بديلة؟ هل المقاطعة تؤدي إلى تغيير؟

في النهاية، ما بين علاقة المواطن العراقي بانتخاباته وبين دور القوى الخارجية، تكمن المعادلة التي تحدد ما إذا كانت الانتخابات العراقية تجسّد مشاركة فعليّة، أو مجرد مسرحية مشاركة. وإذا أراد هذا البلد أن يستعيد القرار لنفسه، فلابد أن تكون الانتخابات داخليّة، بأدوات عراقية، وبإرادة عراقية، لا مجرد تنفيذ خارجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *