لمحة عامة حول نزاهة الانتخابات

لمحة عامة حول نزاهة الانتخابات
تُعدّ النزاهة جوهر الديمقراطية، إذ تضمن حرية الانتخابات وعدالتها. ويتطلب تحقيقها إطاراً قانونياً صارماً، ومراقبة مستقلة، وإنفاذاً فعالاً للقوانين. فغيابها يقوّض الثقة والشرعية، حتى في الديمقراطيات العريقة كأمريكا وبريطانيا، مما يستدعي نظم متابعة شفافة...
على الرغم من صعوبة تعريف مفهوم النزاهة ، إلا أنها تعتبر عنصراً أساسياً من عناصر نظام الحكم الديمقراطي. فالنزاهة متأصلة ووثيقة الصلة بمبادئ الديمقراطية، حيث أنها تسهم في إدارة انتخابات حرة ونزيهة ، وفي غيابها تصبح الديمقراطية عرضة للتساؤلات.

وهنا نعرف مفهوم النزاهة على أنه مجموعة من المعايير المستندة إلى مبادئ الديمقراطية ، والإجراءات الكفيلة بحماية حرية ونزاهة الانتخابات.

تعتبر الانتخابات نتيجة لعملية معقدة تتطلب مشاركة العديد من الفرقاء والمعنيين. وهناك رابحون وخاسرون في كل عملية إنتخابية ، لذلك فإن درجات الاهتمام بالانتخابات عالية ، والإغراءات كثيرة لمحاولة الفوز بها حتى وإن كان ذلك من خلال اللجوء إلى وسائل أو ممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية ، حيث يمكن أن يتم التلاعب بالنتائج لتحديد هوية الفائز أو الخاسر بشكل مسبق ، كما ويمكن أن نجد محاولات للتأثير على الانتخابات ، الأمر الذي يلقي بظلاله على شرعية العملية برمتها . لذا فالانتخابات التي تخلوا من النزاهة من شأنها تقويض أهداف الانتخابات الديمقراطية، ولا يمكن اعتبارها نزيهة وعادلة.

وفي ظل المنافسة السياسية والاجتماعية ومخاطر الفساد ، فإنه لا يمكن إعتبار الإنتخابات عملية مفروغاً منها. لذلك يجب العمل على وضع واعتماد الوسائل الكفيلة بتنفيذ مبدأ النزاهة والحفاظ عليها ، كجزء لا يتجزأ من المؤسسات التي تدير الانتخابات. كما يجب أن تمكننا تلك الآليات من مراقبة ومتابعة أعمال وأفعال الإدارة الانتخابية ، حيث يجب أن توفر الأرضية الملائمة لقيام قطاعات حكومية أو وكالات أخرى، وكذلك المجتمع المدني ووسائل الإعلام لمراقبة العملية الانتخابية ، كما ويجب أن تشتمل تلك الآليات على ضوابط تكفل تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية عبر الوسائل الإدارية والقانونية المختلفة.

وتعمل النظم الجيدة على فضح ومناهضة مظاهر الفساد الانتخابي ، وتحقيق النزاهة . لذلك فإن الأولوية القصوى لدى معظم الإدارات الانتخابية تتمثل في إيجاد نظام انتخابي يفرض مبدأ الرقابة والمتابعة على كافة أعمال وفعاليات القائمين على إدارة الانتخابات . كما ويحدد الإطار القانوني في ظل النظام الانتخابي الجيد ، وسائل حماية النزاهة ويوضح الهياكل التنظيمية الكفيلة بدعمها. وبموجب الإطار القانوني فانه يمكن اعتبار سلطات وصلاحيات كل من فروع الإدارة ووظائفها المختلفة على أنها صلاحيات يمكن توكيلها وتحديدها ، وذلك للتحقق من وجود الرقابة والحيلولة دون استخدام تلك السلطات والصلاحيات للأغراض الشخصية.

وتعتبر الرقابة على الانتخابات من جانب الأحزاب السياسية ، ووسائل الإعلام ، والمواطنون ، والمراقبون المحليون والدوليون ، بمثابة آلية أخرى هامة للحفاظ على نزاهة الانتخابات. حيث تسهم هذه الالية في اكتشاف وتفادي المشكلات التي يمكن ان  تؤثر على نزاهة الانتخابات ، كما أنها تضمن إخضاع الاطراف الفاعلة في العملية الانتخابية إلى مبدأ المحاسبة ، وتعزز من شفافية الانتخابات ، وتضفي الشرعية على العملية الانتخابية ، بالإضافة إلى ضمان الالتزام بالإطار القانوني من قبل الجميع.

ويعتبر تطبيق قواعد وأنظمة النزاهة أمراً بالغ الأهمية بصفة خاصة ، وفي غياب التطبيق الفعال، فإن أفضل الانظمة والنصوص القانونية لا تعدو كونها مجرد نوايا حسنة ليس إلا. ولذلك فإن وضع إطار قانوني ملائم وضوابط جيدة يعتبر أمراً ضرورياً لمحاربة الفساد . ومن الضروري وضع وتطبيق آليات تنفيـذ بحيث يمكن إيقاف وملاحقة كل من يقدم على مخالفة التشريعات الانتخابية ، في الوقت الملائم وبشكل مهني ومحايد . ولذلك ، فإن وجود وسائل فعالة لإنفاذ القانون من شأنها أن تسهم في تحقيق مبدأ النزاهة في العملية الانتخابية ، بالإضافة إلى منع المشكلات في المستقبل .

لقد حققت الجهود الدولية لتعزيز قيم الانتخابات الديمقراطية نجاحاً كبيراً، ولكن على الرغم من وجود العديد من الوسائل التي تضمن تنفيذ انتخابات حرة ونزيهة في أيامنا هذه، فان ثمة بعض حالات الفساد ومحاولات الغش في الانتخابات ما زالت قائمة موجودة . وغالباً ما كان ينظر إلى مسألة النزاهة في الانتخابات على أنها من مشاغل البلدان المتحولة إلى الديمقراطية فقط ، إلا أن ممارسات تسجيل الناخبين عشية الانتخابات الرئاسية لسنة 2000 في الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولات الخداع في الإقتراعات البريدية في انتخابات العام 2005 في بريطانيا أثارت الاهتمام بمشكلات النزاهة في الانتخابات حتى في الديمقراطيات الراسخة ايضا . ومن الناحية النظرية، فإن أي نزاهة كل خطوة من العمليات الإنتخابية يمكن أن تتعرض للخطر ، ولكن من الناحية العملية ، فإن ثمة حلولاً حيوية وواقعية كفيلة بالحفاظ على مبدأ النزاهة .

وعليه ، وبهدف الحد من أخطار التحايل ، فإن من الضروري أن يأخذ واضعو السياسات الإنتخابية بعين الاعتبار أهمية مسألة النزاهة عند قيامهم بتطوير نظم انتخابية جديدة أو تعديل النظم القائمة .

يتطلب تحقيق مبدأ النزاهة ما يلي:

•اعتماد مجموعة من المعايير تستند إلى مبادئ الديمقراطية المتعارف عليها ؛

•وضع إطار قانوني يفرض وسائل المراقبة والمتابعة والتصحيح على التشكيلات المؤسساتية ؛

•اعتماد آليات وقائية صارمة وواضحة ، بما في ذلك مراقبة الانتخابات من قبل مراقبين مستقلين ومنظمات المجتمع المدني ووسائل إعلام حرة؛

•وجود اجراءات إنفاذ الضوابط المتعلقة بمسألة النزاهة ؛

•تطبيق إدارة انتخابية نزيهة ، شفافة وعادلة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *