الدورة الخامسة للبرلمان العراقي في الميزان

الدورة الخامسة للبرلمان العراقي في الميزان
شهدت الدورة الخامسة للبرلمان العراقي ضعف الأداء الجماعي، قلة الجلسات، تدخل الحكومة في التشريع، ونقص الرقابة على السلطة التنفيذية، مع بروز نجاحات فردية للنواب المختصين الذين ساهموا بمبادرات قانونية ومهنية محدودة التأثير....
على اعتاب اجراء انتخابات الدورة السادسة للبرلمان العراقي يبدو أننا بحاجة لمراجعة تقييمية لاداء البرلمان في دورته الخامسة والوقوف على أهم منجزاته وما اتسم به من صبغة سياسية والتعرف على الجوانب التي أخف أو تلكأ فيها

في سياق استعراض سريع لبعض المحطات والاحصائيات والبيانات

التي توفرت لدينا.

فعلى صعيد ما تم انجازه من تشريعات وهي المهمة الأولى له

أولا :تم تعديل قانون الأحوال الشخصيّة رقم (188) لسنة 1959.  اضافة الى تعديل قانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016 وقانون إنشاء محافظة حلبچة ضمن جمهورية العراق.  كما تم تعديل بعض مواد قانون الجوازات و التعليم الجامعي وتأجير الأراضي الزراعية.

ثانيا:اتسمت الدورة السابقة بتغيّرات  مهمة في تشكيلته  البرلمانية وتحالفاته وكان من أبرز سماته خلوه من التيار الصدري الذي آثر الانسحاب والعزلة السياسية .

كما أثيرت فيه نقاشات واسعة حول الحاجة إلى الإصلاحات البرلمانية وسياقات المساءلة والمسار الرقابي.

كما أنه عانى  جملة من نقاط الضعف

أبرزها 

1.قياسا بالبرلمانات السابقة فان عدد القوانين المقرّة في الدورة الخامسة كان أقل بكثير وقد سجل مابين 40-50 قانوناً تم إقراره  تقريباً، مقارنةً بمئات التشريعات في الدورات السابقة.

2. كنا أن انعقاد الجلسات كان أقل من المطلوب بشكل كبير وما تحقق بشكل فعلي يصل الى حوالي نصف الجلسات التي ينبغي عقدها

3 عانى المجلس من شغور لفترات طويلة في موقع رئاسته، وشهد نزاعات داخلية بين النواب والكتل منعت من اتخاذ قرارات فعّالة في كثير من الأحيان.

4 ومن أبرز ما ظهر على البرلمان هو ضعف دوره الرقابي على السلطة التنفيذية بنحو كاد ان تخلو منه ظاهرة الاستجوابات رغم أنها كانت ضرورية .

وقد شهد المجلس في دورته الخامسة 

نوعا من تقييد الحريّات التشريعية والمساءلة ونفوذا ملحوظا للحكومة

أعادت تقديم مشاريع قوانين كقوانين “حرّية التعبير” و”الجرائم الإلكترونية” بنحو يمكن أن يكون فيه تقييد لحرية التعبير  ويجعل منه ناطقًا باسم الحكومة أكثر منه ممثلا للشعب .

وبالرغم من تأكيد الحكومة على المضي بمكافحة الفساد، إلا أن المراقبين يرون إنّ ادائها في هذا الحقل كان ضعيفاً ومربكا ، وإنّ كلا المؤسستين البرلمان والحكومة  لم يُحدثا تغييرات جوهرية في ملفات مكافحة الفساد.

وقد سجل على رئيس الحكومة محاولة فرض توجيهاته المباشرة على البرلمان في التشريع

وكمثال على ذلك طلبه من البرلمان الموافقة الفورية على التعديل المرتبط بموازنة 2025 التغطية على صادرات نفط إقليم كردستان ، وهذا النوع من التدخّل يُنظر له على من زوايا مريبة تصل الى اتهام السوداني نفسه بشراء ذمم بعض النواب.

فمن شأن هكذا تدخلات أن تقلّل من استقلالية البرلمان وقدرته على تمثيل المواطنين بشكل فعّال.

كما أنها توهن معايير التوازن بين السلطات لصالح الحكومة في نظام برلماني ينبغي أن تكون فيه الحظوة والسطوة للبرلمان على الحكومة وليس العكس.

أما على صعيد انعقاد الجلسات

فإنه يسجل على المجلس  قلة انعقاده منذ بداية الدورة فما حققه بالفعل  من جلسات هو حوالي نصف عدد الجلسات المطلوبة في النظام الداخلي.

منذ يناير 2022 كان أقل من 51 % من المطلوب”.

كما شهد المجلس في دورته الخامسة ظاهرة ضعف الأداء الجماعي مقابل تألق الأداء الفردي.

أي أن النجاح  الذاتي الذي حققه  بعض النواب شكّل “نقطة تحول ” جديرة بالبحث في بيئة تشريعية مضطربة تهيمن عليها الروح الحزبية

وقد يعود السبب الى دخول عدد من المستقلين والمهنيين فيه او لحسن اختيار الناخب أو ترشيحات الاحزاب وجودة اختيارهم .

ولعل ركود وضعف العمل الجماعي للكتل السياسية أتاح للأفراد من ذوي الخبرة أو الصوت القوي أن يبرزوا بشكل أوضح.

وقد ساهم ارتفاع وتيرة  الاهتمام الإعلامي بهذه الشخصيات الفاعلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي بمنحها مساحة كبيرة للتأثير في المجتمع.

اضافة الى تراجع الدور المؤسسي للجان البرلمانية والبيروقراطية الذي جعل من العمل الفردي الوسيلة الوحيدة لإثبات الذات.

وكان من أبرز سمات الكفاءة الفردية داخل البرلمان

1. المداخلات الموضوعية والمهنية في الجلسات من نواب مختصين (اقتصاديين، قانونيين، أكاديميين).

2. تقديمهم لمقترحات قوانين بمبادرات شخصية دون الرجوع إلى الكتل، مثل بعض التعديلات في القوانين الخدمية أو البيئية.

3. نشاط رقابي عبر الاستجوابات والأسئلة البرلمانية، رغم محدوديتها الكمية.

4. إقامتهم للندوات واللقاءات الجماهيرية لشرح مشاريع القوانين للرأي العام، وهو ما زاد من الثقة ببعض النواب.

ولكن رغم وجود  هذه الكفاءات الفردية، إلا أن تأثيرها بقي محدودًا بسبب غلبة الانقسامات الحزبية على القرارات المصيرية وضعف التنسيق بين النواب الأكفاء أنفسهم علاوة على غياب الدعم المؤسسي داخل المجلس لتبنّي المبادرات الفردية.

وعدم استقرار رئاسة البرلمان لفترات طويلة، الامر الذي قلّل فرص تحويل المبادرات الفردية إلى تشريعات نافذة.

وبالمجمل يمكن القول إن الدورة الخامسة اتسمت ضعف الأداء الجماعي وبروز حالة الريادة وحسن الاداء الفردي .أي أن النجاح الذي حققه  بعض النواب شكّل “نقطة تحول ”  مهمة وجوهرية للغاية في بيئة تشريعية مضطربة ويؤسس لمرحلة يمكن أن نسميها “تفوّق الفرد الكفوء  داخل المنظومة الضعيفة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *