في كل دورة انتخابية جديدة، يتجدد الحديث عن “التغيير” و“الإصلاح”، وتُطلق الوعود البراقة، لكن الواقع يثبت أن النتائج تُرسم قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع. فالمشهد بات واضحاً لكل ذي عينين: الغلبة ستكون لأصحاب المال والسلاح والنفوذ السياسي، أولئك الذين يملكون أدوات السيطرة لا أدوات الإقناع. أما الكتل الصغيرة والمرشحون الجدد فيبقون على الهامش، يصارعون في ميدان غير متكافئ تحكمه المصالح لا البرامج، والصفقات لا الكفاءات، حتى غدت الانتخابات أقرب إلى منافسة تجارية منها إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية.
إعادة تدوير الفشل وتكريس الطبقة السياسية ذاتها
لقد مرّ على العراق أكثر من عقدين من الزمن منذ سقوط النظام السابق، لكن المشهد لم يتغير. الوجوه نفسها تعود في كل مرة، تمارس الأساليب ذاتها، وتعيد إنتاج الفشل ذاته. لم يعد المواطن بحاجة إلى وعود جديدة، بل إلى صدقٍ في الاعتراف بأنّ العملية السياسية تسير في طريق مغلق منذ سنوات طويلة. هذه الوجوه التي تحتكر السلطة منذ 2003 تعلّمت فن البقاء لا فن الحكم، وتحوّلت الدولة إلى ساحة نفوذ تتقاسمها الأحزاب، بينما المواطن يدفع ثمن صراعها المستمر على الغنائم والمناصب.
صندوق الاقتراع بين الأمل والخديعة
لقد كان العراقيون يوماً ينظرون إلى صندوق الاقتراع باعتباره نافذة للحرية، وبداية عهدٍ جديد من المشاركة الشعبية، لكن الواقع حوّله إلى رمزٍ للخديعة السياسية. فكيف يمكن أن يثق الناس بصندوقٍ تهيمن عليه أجهزة المال والإعلام والسلاح المنفلت؟ وكيف يمكن للناخب أن يشعر بجدوى صوته وهو يرى أن النتائج معروفة مسبقاً، وأنّ موازين القوة تحدد الفائزين لا الإرادة الشعبية؟ هكذا، تحولت الديمقراطية إلى ديكورٍ يُجمّل واقعاً سلطوياً يزداد قسوة كل عام، وبدلاً من أن تكون الانتخابات وسيلة للتداول السلمي للسلطة، أصبحت وسيلة لتجديد شرعية الطبقة نفسها.
المقاطعة كصرخة وعي واحتجاج سلمي
من هنا، أرى أن مقاطعة الانتخابات ليست انسحاباً ولا هروباً من المسؤولية، بل هي تعبير عن وعي سياسي رافض للمسرحية المتكررة. المقاطعة، في هذا السياق، شكل من أشكال العصيان المدني الهادئ الذي يعبّر عن رفض المشاركة في عملية انتخابية تُدار من خلف الكواليس وتخضع لحسابات الولاء والمحاصصة. إنها رسالة احتجاج ضد الفاسدين الذين نهبوا خيرات العراق، وضد منظومةٍ لم تترك للمواطن سوى فتات العيش وذلّ الانتظار. إن الامتناع عن التصويت في ظروف كهذه ليس سلبية، بل هو موقفٌ أخلاقي يعلن أن الشعب لم يعد مستعداً ليكون شاهداً صامتاً على تزوير إرادته.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من وعي المجتمع لا من شعارات السلطة
الإصلاح لا يأتي من صناديق اقتراع تُدار بالأموال القذرة والدعاية الموجّهة، بل من وعي جمعيٍ يرفض التلاعب بعقله ومستقبله. حين يدرك الناس أن التغيير لا يُشترى بالبطانيات والوعود الانتخابية، بل يُصنع بالمواقف والمحاسبة، يمكن عندها أن يبدأ الإصلاح الحقيقي. يجب أن يتحوّل الإحباط إلى وعي، واليأس إلى طاقة نقدٍ ومساءلة، لأنّ الدولة لا تُبنى إلا حين يُدرك المواطن أن صوته هو قيمة لا سلعة. ومن دون هذا الإدراك، ستبقى الانتخابات طقساً شكلياً يتكرر كل أربع سنوات ليُعيد إنتاج ذات الخراب.
كلمة “لا” هي بداية الطريق
ولعل أول خطوة في طريق التغيير هي أن نقول كلمة “لا” بوجه منظومةٍ اعتادت أن تشتري الصمت بالوعود الزائفة. فالصمت تواطؤ، والاعتياد على الظلم شكلٌ من أشكال القبول به. حين يعلو صوت الرفض الجمعي، تبدأ المعادلة بالاهتزاز، ويُفتح الباب أمام ولادة وعيٍ جديد يُعيد للسياسة معناها وللصندوق هيبته. عندها فقط، يمكن أن يتحول “لا” إلى مشروع وطني يعيد للوطن كرامته، وللمواطن ثقته بأن إرادته لا تُباع ولا تُزوّر.
إن طريق الإصلاح طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً. فحين تتوحد إرادة الناس على الحق، وتسقط أقنعة الخداع، يمكن للعراق أن ينهض من تحت ركام الفساد واليأس. وربما يكون صوت الرفض الصادق اليوم هو البذرة الأولى لوطنٍ يستحق أن يعيش فيه الجميع بكرامة وعدالة.


