البرلمان العراقي المقبل: خريطة القوى الشيعية وموازين النفوذ السوداني، المالكي، المقاومة والمحافظون: التحديات والتحالفات المقبلة

البرلمان العراقي المقبل: خريطة القوى الشيعية وموازين النفوذ السوداني، المالكي، المقاومة والمحافظون: التحديات والتحالفات المقبلة
المشهد الشيعي يتجه إلى توازن رباعي الأقطاب بين السوداني، المالكي، المقاومة والمحافظين، في مرحلة براغماتية تمزج بين الإدارة والخبرة والعقيدة والمزاج الشعبي، وتمنح السوداني موقع القيادة المحتمل للحكومة المقبلة...

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة، تتجه الأنظار مجددا نحو الساحة الشيعية التي تمثل الثقل الأكبر في المعادلة السياسية العراقية.

وبرغم تراجع الحماسة الشعبية العامة تجاه العملية الانتخابية، إلا أن المزاج الشيعي الداخلي يشهد حالة من إعادة الترتيب الهادئ، حيث تتشكل خريطة جديدة للقوى والأوزان بعد تجربة حكومة محمد شياع السوداني، التي توصف بأنها الأكثر توازنا منذ 2003.

  • الكتلة الحكومية: محمد شياع السوداني في الصدارة

تجمع معظم المؤشرات على أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني سيكون الرقم الأصعب في الانتخابات المقبلة.

أداؤه المتزن، وعلاقاته الهادئة مع القوى السياسية، وانفتاحه النسبي على الداخل والخارج، جعلت منه الشخصية الأكثر قبولا في الشارع الشيعي، خصوصا في المحافظات الجنوبية.

من المتوقع أن يحصد ائتلاف السوداني (الاعمار والتنمية) نحو 60 مقعدا شيعيا، ليصبح الكتلة الأكبر داخل المكوّن.

هذه القوة ستجعله في موقع القيادة عند تشكيل الحكومة المقبلة، سواء لتجديد ولايته أو لتوجيه الانتقال نحو حكومة مماثلة في النهج والروح.

  • دولة القانون: ثبات دون تمدد

أما ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، فانه سيحافظ على موقعه التاريخي بحدود 30 مقعدا.

المالكي ما زال يملك قاعدة حزبية وعشائرية متماسكة، لكنه فقد كثيرا من الديناميكية التي كان يمتلكها في العقد الماضي.

مع ذلك، يبقى رقما صعبا في أي معادلة، خصوصا أن خبرته السياسية وثقله التنظيمي يجعلان منه الركيزة التقليدية داخل البيت الشيعي، القادرة على ضمان الاستمرارية والربط بين الأجنحة المتنافسة.

  • محور المقاومة: حضور متماسك لكنه محدود جماهيريا

القوائم القريبة من محور المقاومة ستوقع ان مقاعدها ستتوزع على منظمة بدر بنحو 16 مقعدا، والعصائب بنحو 9 مقاعد، وحقوق (كتائب حزب الله) بنحو 6 مقاعد.

ورغم أن هذه القوى تمتلك ثقلا عقائديا وأمنيا حقيقيا، إلا أن المزاج الشعبي أصبح يميل أكثر إلى الوجوه الإدارية والإنجازات الخدمية.

ومع هذا، فإن هذه القوائم ستظل بمثابة الذراع العقائدي والسياسي لمحور المقاومة داخل البرلمان، وسيكون وجودها ضروريا لحماية ثوابت الهوية الشيعية في التوازن الإقليمي، ومنع أي انحراف محتمل في سياسات الدولة باتجاه المحور الأمريكي أو التطبيع مع الكيان الصهيوني.

  • التيار البراغماتي: الحكمة ودوره الوسيط

من المرجح ان يحافظ تيار الحكمة الوطني بزعامة السيد عمار الحكيم على حضوره الرمزي والاجتماعي بنحو 6 مقاعد.

ورغم تراجع تأثيره الجماهيري، سيبقى قادرا على أداء دور “الوسيط السياسي” في المراحل التفاوضية، خصوصا بين الكتل الكبيرة عند الحاجة إلى التهدئة أو بناء التوافقات.

  • المفاجأة الجنوبية: صعود المحافظين

التحول الأبرز في المشهد الشيعي يتمثل في صعود القيادات المحلية التي بنت شعبيتها على الأداء الإداري والخدمي لا على الخطاب السياسي.

يأتي في المقدمة أسعد العيداني في البصرة الذي يرى مراقبون ان سيحصد نحو 12 مقعدا، يليه محمد المياحي في واسط بحوالي 5 مقاعد، ونصيف الخطابي في كربلاء بنحو 4 مقاعد.

هؤلاء يمثلون ما يمكن وصفه بـ “الكتلة المحلية الصاعدة”، وهي قوة جديدة تحمل ملامح البراغماتية الشعبية، توازن بين الولاء الديني والانتماء الإداري، وتميل إلى التحالف مع من يضمن استمرار النفوذ المحلي وتطوير المحافظات الجنوبية.

  • نظام رباعي الأقطاب: ملامح التوازن الشيعي الجديد

مع مقاطعة التيار الصدري للانتخابات بات واضحا أن الساحة الشيعية تتجه نحو نظام رباعي الأقطاب، تتوزع فيه القوى على أربع كتل متكاملة ومتنافسة في آن واحد:

1-الكتلة الحكومية (محمد شياع السوداني)

-مركز الثقل التنفيذي والإداري.

-تمثل نهج الدولة والانفتاح المنضبط.

– تمتلك 60 مقعدا وتعد القائد الفعلي للمشهد المقبل.

2-كتلة دولة القانون (نوري المالكي)

-مركز الثقل السياسي التقليدي.

-تحافظ على 30 مقعدا وتشكل حلقة الربط التاريخية بين قوى الإطار.

-تميل إلى التحالف مع السوداني، لكنها تحتفظ بموقع تفاوضي مستقل.

3-كتلة المقاومة (بدر – العصائب – حقوق)

-مركز الثقل العقائدي والأمني.

-تملك قرابة 31 مقعدا وتعمل كضامن ميداني ضد الانحراف الخارجي.

-علاقتها بالسوداني مرنة لكنها مشروطة بالحفاظ على الثوابت الاستراتيجية.

4-الكتلة المحلية الصاعدة (العيداني – المياحي – الخطابي)

-مركز الثقل الشعبي والإداري الجديد.

-تمتلك نحو 21 مقعدا وتمثل المزاج الجنوبي الواقعي.

-ستكون بيضة القبان في رسم ملامح الحكومة المقبلة.

  • التحالفات وسيناريو الحكومة المقبلة

وفق هذا التوزيع، ستتجه التحالفات داخل البيت الشيعي إلى معادلة أكثر توازنا ومرونة.

فـ السوداني سيكون المرشح الطبيعي لولاية ثانية، لكنه سيحتاج إلى تفاهم واضح مع المالكي وباقي الكتل لضمان الدعم البرلماني والسياسي، فيما سيستثمر ثقل المحافظين لضمان غطاء شعبي أوسع في الجنوب.

من جهة أخرى، قد تدفع التطورات الإقليمية – خصوصا العلاقة مع إيران والضغوط الأمريكية – إلى صياغة تحالف توافقي ثلاثي بين السوداني والمالكي وكتلة المقاومة، يضمن توازن القرار السياسي والأمني في الدولة.

أما المحافظون، فسيظلون الكتلة الأكثر قدرة على المناورة، وقد يدخلون في تفاهمات مع أي طرف يضمن استمرار نفوذهم المحلي ومشاريعهم الخدمية.

  • الخلاصة: من الاستقطاب إلى البراغماتية الشيعية

تبدو الانتخابات المقبلة بداية لمرحلة جديدة في السياسة الشيعية العراقية، وهي مرحلة البراغماتية التي تجمع بين روح المقاومة ومنهج الدولة، وبين الخبرة السياسية والإدارة الميدانية.

لم تعد الساحة محكومة بالاستقطاب بين “الإطار” و”التيار”، بل تتجه نحو توازن بين أربعة أقطاب تتكامل أدوارها:

العقل الإداري (السوداني)، الذاكرة السياسية (المالكي)، الهوية العقائدية (المقاومة)، والمزاج الشعبي الجنوبي (المحافظون).

بهذا المعنى، يمكن القول إن المشهد الشيعي يدخل لأول مرة مرحلة النضج البنيوي، حيث لن يعود القرار بيد زعيم واحد، بل شبكة متوازنة من القوى التي تمثل أبعاد الهوية والسلطة والواقع الشعبي في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *