ضياع مليارات الفلوس في جمهورية التانكي المتروس..

ضياع مليارات الفلوس في جمهورية التانكي المتروس..
تكشف أزمة البنزين في العراق مفارقة بلد نفطي غني يعاني شحّ الوقود، وتربط الأزمة بخلل الإدارة والفساد والمحاصصة، في معالجة ساخرة ترصد طوابير المحطات والسوق السوداء وتراجع الثقة بالخطاب الرسمي...

لا نحتاج إلى تقويم لمعرفة فصول الأزمات، فلدينا من الأزمات المتكررة بلا حلول منذ عقدين حسب فصول السنة، إذ تطل علينا أزمةالبانزين كرأس أفعى بين الفينة والأخرى، لتربك الشارع العراقي، وتكشف عن المواهب المدفونة لدى السائق العراقي في الصبر، والتحليل السياسي، ومهارات البقاء.

تطالعنا الأخبار فجأة: (لا توجد أزمة، الوقود متوفر، الأوضاع طبيعية.. في حين طابور السيارات أطول من طريق طريبيل!).. وما إن يسمع المواطن جملة (لا توجد أزمة)، حتى يتملكه الشعور بالخوف الحقيقي !.. وجملة (الأوضاع طبيعية) في الخطاب الرسمي هي الشفرة السرية التي تعني: (شحة البانزين، ونفاذ الخزين).

تبدأ الملحمة عند طابور السيارات وعلاقته الأزلية بمحطات الوقود حين يتحول  إلى مجتمع مُصغر يُدرس في علم الاجتماع، تجد هناك كل أطياف المجتمع.. المحلل السياسي: الذي يقسم لك أن الأزمة بسبب صراع دولي بين المريخ وزحل للسيطرة على (وزارة الشفط).

الفيلسوف: الذي يجلس على محرك سيارته الساخن،يتأمل الوجوه ويسأل: (هل نحن ننتظر البنزين، أم أن البنزين ينتظرنا لنحترق بعود ثقاب الشمس الآهبة؟).

خبير التكتك: الذي يحاول التنقل بين المسارات بدقة مليمتريّة، (مزارك) ظاناً أنه سيسبق 50 سيارة أمامه، يصرح متشفياً باصحاب السيارات: (ماكو حلول والأزمة تطول).

الغريب في الأمر  أننا نعيش فوق بحر من النفط، لكننا نتعامل مع (البنزين المُحسن) وكأنه عصير عظام الديناصورات النادرة!..

في بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في المنطقة، (عبارة عن تانكي متروس نفط)، ولدى مواطنيه أسرع (مؤشر بنزين) ينزل إلى الصفر في التاريخ البشري!. فتجد السائق العراقي يعامل خزان وقوده بعاطفةجياشة، يفرح إذا إمتلأ، ويحزن إذا نزل المؤشر تحت النصف، ويبدأ بتشغيل أدعية السفر إذا أضاءت لمبة الوقود.

وفي خضم هذه المأساة الكوميدية، يظهر بطل الظل: (أبو الدَبة) بائع البنزين بالسوق السوداء على قارعة الطريق.

هذا الرجل يمتلك حساً استخباراتياً أسرع من الأقمار الصناعية، يعرف بالأزمة قبل أن تفكر الوزارة بنفيها، وتجد أسعاره ترتفع وتنخفض بدقة أسرع من بورصةنيويورك!.

إن أزمة البنزين في العراق

ليست مجرد نقص في الوقود، بل هي نكسة مهنية وأزمة أخلاقية تفشت بسبب وباء الفساد المتفشي بقطاعات وزارة النفط التي ذاع صيتها بالآونة الأخيرةبالقبض على (عتاوي) سَرقت مبالغ ضخمة جدا و(صارت علج بحلوك الناس).. وبعد أن كُسرت جَرة الفساد بالوزارة ليخرج (قمقم الفرهود الممنهج) من أقبيتها المتخمة بالمحاصصةالحزبية والتي عشعشت فيها عفاريت الفساد المتحالفة مع شياطين السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *